محمد بين البشرية والنبوة

نشر 09 يناير 2012 | 09:16

هناك خطأ قاتل نلمسه في أدبياتنا الإسلامية حين تتحدث عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم وسيرته فتصور هذه الأدبيات النبي محمداً وكأنه فوق البشر وأن سيرته هي إلى الملائكية أقرب منها إلى البشرية، فتجدها تبالغ في رسم صورة مثالية لحياته لا تكاد تلمس فيها أي أثر لبشريته..

 

أصحاب هذه الصورة يتعاملون مع حياة النبي بأنها سلسلة متصلة من المعجزات والخوارق، فلا يرون فيها إلا تفجر الماء من أصابعه الشريفة وانشقاق القمر ونطق الجماد، ويتصورون أن النبي صلى الله عليه وسلم كان محاطاً بهالة نورانية تميزه عن البشر، وأن جبريل يتنزل عليه غدواً وعشياً ليوجهه في كل خطوة صغيرة وكبيرة، مع أن التأمل الموضوعي للسيرة يظهر بأن المعجزات لم تأخذ سوى الحيز الضيق منها..  

 

خطورة هذه النظرة المغالية أنها تحرف معنى النبوة، ولا تترك مجالاً للعقل العلمي ليفهمها فهماً سننياً ضمن قوانين التاريخ والنفس والاجتماع، وتعزز العقلية الخوارقية ، كما أن هذه النظرة تصعب الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وتلغي فاعلية سيرته، فما دامت الصورة الذهنية عنه بأنه موجَّه في كل صغيرة وكبيرة من جبريل فسيتحجج الناس بذلك ويجدون مبرراً للخطأ، ويقولون لقد كان نبياً معصوماً أما نحن فبشر نقع في الخطأ مما يقلل من الأثر العملي المستفاد في واقعنا من حياته وتصبح مطالعتنا لسيرته للتبرك أكثر من كونها لاستقاء دروس عملية..

 

هذا الضرر ليس متوهماً بل نلمسه كثيراً في حياتنا. فحين تخبر أحد الناس بموقف في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وتطالبه بالتأسي بذلك الموقف يرد عليك بالقول: هذا الرسول وليس أنا..فهو قد ترسخت لديه نظرة بأن للرسول في حياته شأن لن نستطيع نحن أن ندركه في حياتنا.

 

 يبدأ الخلل في هذه النظرة المغالية غير المتوازنة من أن الناس يحبون الرسول فيدفعهم هذا الحب إلى تصويره بأنه كان متعالياً محلقاً في السماء، وأنه لم يكن يعتريه أي ضعف أو قصور..ورغم حسن نية من يفعل ذلك فإن هذه الطريقة تقود إلى نتائج سلبية لأن الناس لا تستطيع التأسي بمن هو فوق البشر "قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم ملكاً رسولاً"، والناس تميل إلى التأسي بمن ترى أنه قريب من حياتها، ولنا مثال في واقعنا أن أكثر الزعماء شعبيةً هم أقربهم إلى بشرية الناس، أولئك الذين يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، حتى أنه إذا أراد زعيم أن يعلي أسهمه الانتخابية فإنه يوحي إلى وسائل الإعلام الداعمة له بأن تظهر صوره في مجلس عائلي وهو يمازح أطفاله ويتناول الطعام مع زوجته، أو وهو يمارس الرياضة، فإذا رأى الناس تلك الصور تذكروا أن هذا الزعيم واحد منهم يعيش مثل حياتهم فيتعاطفون معه..

 

على عكس الصورة التي ترتسم في أذهاننا عن اختلاف النبي محمد عن البشر نجد القرآن يركز على بشريته، ويسعى لإبرازها بشكل مكثف، ولو عقدنا مقارنةً بين الآيات التي تخضع محمداً للسنن التي تنطبق على سائر البشر، وبين تلك الآيات التي تبرز تميز محمد لوجدنا أن المساحة الأكبر تركز على بشرية محمد.. فمحمد في القرآن هو بشر مثلنا لا يعلم الغيب، وليس له من الأمر شيء، ولا يدري ما يفعل به ولا بقومه،ولا يستطيع أن يشفع لأحد إلا بإذن الله، ولا يهدي من أحب، ولا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً، بل يتوعده القرآن بالعذاب المضاعف إن أشرك مع الله شيئاً..

 

*********

يتميز النبي محمد صلى الله عليه وسلم عن البشر العاديين بالوحي الإلهي، ومع ذلك فإن القرآن حرص على إبقاء مسافة فاصلة بين البشر الرسول وبين الوحي الإلهي الذي يتنزل على قلبه حتى لا ينتج الخلط عند الناس بين الإلهي والبشري فتجد آيات تبرز هذه المسافة الفاصلة مثل آية الإسراء "ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك" ، والآية "وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إلي"..

 

ترتسم في أذهاننا صورة آلية لعلاقة الوحي بالنبي فنتخيل بأنه ما إن تستجد حادثة أو يوجه سؤال للنبي أو يتعرض لمأزق إلا ويتنزل الوحي مسرعاً ليقدم الحلول الجاهزة القاطعة، والحقيقة خلاف هذا التصور البسيط، فكما أن حياة محمد كانت فترةً لتنزل الوحي إلا أنه كان فيها أيضاً جانب التجربة البشرية الكاملة بكل تفاصيلها ومتاعبها وجهادها، وكثيراً ما كان الوحي يتمهل طويلاً دون أن ينزل بالإجابة والنبي كأي بشر يجتهد ويبذل قصارى جهده ويقلب وجهه في السماء دون أن يجد جواباً شافياً.

 

إن حياة النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتريها كل ما يعتري حياة البشر، ففيها الانتصارات والانكسارات، وفيها الفرح والحزن، وفيها التعب والسهر، وفيها القلق والخوف، وكما كان فيها بدر وفتح مكة ففيها أحد وحنين..

 

في رحلة الطائف تبرز المخاوف البشرية في شخصية النبي صلى الله عليه وسلم في خوفه من شماتة قريش منه حين يعلمون بخبر فشل رحلته إلى الطائف فيطلب من الطائف ألا يجرئوا عليه قريش وأن يكتموا خبر مجيئه إليهم..

 

وحين كانت قريش تطالب النبي بقائمة من المعجزات حتى تؤمن له كأن ينزل عليه كنز أو يكون معه ملك أو يرقى في السماء أو يكون له جنة تفجر الأنهار خلالها تفجيرها، كان يود لو أنه يستطيع أن يأتيهم بالآيات التي يؤلف بها قلوبهم ولكنه لم يكن يملكها "قل إنما الآيات عند الله"، ولم يكن يستطيع أن يجيبهم بأكثر من قوله: "سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولاً"..

 

واللافت أن هذه الآيات جاءت في سورة الإسراء التي تحدثنا عن أعلى درجة يمكن أن يبلغها بشر وهي التي بلغها النبي ليلة المعراج، فكان لا بد بعد هذا الارتقاء في معارج العلا من جرعة توازنية تعيدنا إلى الوسط المعتدل حتى لا تكون المغالاة وننسى بشرية النبي كما كان الشأن مع عيسى عليه السلام، فحفلت هذه السورة بإشارات متتابعة إلى عبودية النبي "أسرى بعبده"، وبشريته "بشراً رسولاً"، بل وتحذيره بأنه غير مستثنى من العذاب إن عدل عن المنهج الإلهي "فتلقى في جهنم ملوماً مدحوراً"، "إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات".

 

ولو أن الوحي كان يتنزل على النبي وفق هواه أو بمجرد دعائه لأسرع إليه في أشد اللحظات حرجاً في حياته، لكن القرآن يبرز لنا تعالي الوحي عن البشر، حتى وإن كان ذلك البشر هو خيرهم وسيدهم محمد صلى الله عليه وسلم.

 

لعل أوضح مثال على ذلك هو حادثة الإفك، تلك الحادثة التي زلزلت بيت النبوة من الداخل ووضعته في أحرج موقف في حياته وظل الناس شهراً كاملاً وهم يلوكون بألسنتهم العرض الشريف والنبي صلى الله عليه وسلم حائر يقلب وجهه في السماء لا يملك أن يفعل إلا كما يفعل أي بشر في مثل هذا الموقف العصيب، فيستشير حبه أسامة فيقول له:هم أهلك وما علمت عليهم إلا خيراً، ويستشير علياً ابن عمه علي فيقول له: لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير، ويسأل عنها الخادمة فتدافع عنها، ويخرج بعدها إلى الناس ويقف على المنبر  ويقول للناس: من يعذرني من رجل قد بلغني عنه أذاه في أهلي، ويكاد الأوس والخزرج يقتتلان في المسجد..كل هذه الزلزلة العظيمة التي تستمر شهراً كاملاً ولا يتدخل الوحي، حتى إذا أخذت التفاعلات البشرية مداها واستيئس الرسل نزل الوحي ليضع منهجاً عاماً للتعامل مع مثل هذه القضية متعالياً على التفاصيل الظرفية الوقتية ، فإذا حدثت مثل هذه الحادثة مستقبلاً لا تكون هناك حاجة لنزول الوحي مرةً أخرى، وكأن القرآن في هذا الانقطاع الطويل يهيئ الناس للاعتماد على أنفسهم.

 

*******

في صلح الحديبية تضطرب صفوف المسلمين حتى أنهم لم يسمعوا للرسول وهو يدعوهم لذبح الهدي ويصل الأمر إلى أن صحابياً بمقدار عمر بن الخطاب رضي الله عنه يراجع الرسول ويراجع أبا بكر، والنبي صلى الله عليه وسلم يدخل حزيناً على زوجته فتشير عليه أن يخرج فيحلق ويذبح فيعمل بمشورتها.

 

ولو نزل الوحي بسرعة إلى النبي لما حدث كل هذا الاضطراب في صفوف المسلمين ولكن الله يريد أمراً آخر..

 

يستوقفنا في هذا المشهد عدم طاعة الصحابة للنبي في بادئ الأمر وهو يأمرهم بأمر عظيم يشق على نفوسهم لأنهم لا يريدون أن يعطوا الدنية في نفوسهم، والجانب الإيجابي في هذا السلوك من الصحابة أنه يعطينا مؤشراً أن الرسول وأصحابه كانوا يعيشون تجربةً بشريةً بكل تفاصيلها وملابساتها وأن نبوة محمد لا تعني أنه كانت تحيط به هالة من القداسة النورانية، وأنه كان يسلك طريقاً مفروشةً بالورود بين أتباعه.

 

مما يوضح لنا حدود الدور الذي كان يؤديه الوحي في حياة النبي صلى الله عليه وسلم هو مبدأ الشورى إذ كان النبي أكثر الناس مشورةً لأصحابه، فكان يقول أشيروا علي أيها الناس، وكان يعمل بمشورتهم، وهذا يدلل أن الوحي لم يكن دائماً في متناول النبي.ولكنه كان ينزل في الأوقات الحرجة بعد أن يستفرغ الجهد البشري ولا يظل في يد النبي ما يمكن أن يفعله كبشر فيتنزل الوحي بمنهج عام يعالج المشكلة بألفاظ عامة متعالية على خصوص السبب ويضع للناس منهجاً في التعامل مع القضايا المشابهة في المستقبل إيذاناً بانقطاع الوحي كليةً.

 

إن الوحي لم يكن بديلاً عن بذل الجهد البشري والأخذ بالأسباب المادية ولكنه كان تتويجاً وسداً للثغرة التي لا يستطيع البشر سدها مهما بذلوا من جهد، وهذا يتضح في وصف النبي صلى الله عليه وسلم بأنه كان إذا أراد فعل شيء أخذ بكل الأسباب حتى كأنه لم يترك لله شيئاً، فإذا استنفد هذه الأسباب دعا الله بإلحاح وكأنه لم يعمل لنفسه شيئاً.

 

والنبي نفسه كان يتخوف من انحراف أمته عن نقطة الاعتدال في التعامل معه فكان يقول:لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم.

 

وقد تنبه الصحابة إلى هذا الحد الفاصل بين محمد الرسول الذي يجب أن يطاع بالوحي الذي يتنزل عليه، وبين محمد البشر الذي يأكل مما يأكلون منه ويشرب مما يشربون ويبدي رأيه تجاه شئون الدنيا فيقبل رأيه أو يرد دون إفراط في تقديس شخصه وإطرائه ففي غزوة الأحزاب كان للنبي رأي سياسي بأن يعطي اليهود ثلث ثمار المدينة حتى يحيدهم ويشق بذلك صف الأحزاب المحاصرة للمدينة، لكن الأنصار رفضوا هذا الرأي رغم أنه رأي نبيهم لأنهم كانوا يعلمون أنه يتحدث هنا بلسانه لا بلسان الوحي، وعمل النبي برأيهم إذ كانوا هم أهل المدينة وهم أولى بشأن ثمارها..

 

إن إبراز جانب الوحي الإلهي في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ضروري لتقديم المنهج المعصوم المتعالي للناس، فالناس في وطأة كثرة المذاهب وتشتتها وحيرتهم يتعطشون إلى المطلق الذي يطمئنون له، لكن إبراز جانب البشرية في حياة النبي لا يقل أهميةً لتقديم أسوة واقعية يسهل اتباعها، وعظمة النبي لا تظهر إلا بإظهار ضعفه البشري وعواطفه وحزنه ومعاناته إذ لو أنه لم تكن فيه هذه العوارض البشرية لما كان هناك وجه أفضلية له، فالأفضلية لا تأتي بالفطرة الملائكية، ولكنها تأتي بمجاهدة الضعف البشري والانتصار عليه، وحين شد وثاق عم النبي العباس في الأسرى بعد غزوة بدر وسمع النبي أنينه لم يأخذه النوم إشفاقاً على عمه ولما بلغ الأنصار ذلك فكوا قيده فرضي الرسول بذلك ولكنه لم يجبهم إلى طلبهم بترك الفداء ودفع فداءه مثله مثل أي أسير آخر.

 

وفي موقف آخر حين أسلم قاتل عمه حمزة وحشي، وكان النبي قد تأثر كثيراً بمقتل عمه وذرفت عيناه الدمع عليه، ولما رأى قاتل عمه بعد فتح مكة تحرك ذلك الشعور الإنساني الرقيق في قلبه صلى الله عليه وسلم تجاه عمه فقال له: ويحك غيب عني وجهك فلا أرينك، فهو لا يطيق أن يرى قاتل عمه حتى بعد دخوله الإسلام، ولكن هذه العاطفة لم تدفعه ليعدل عن الحق مثقال ذرة فينتقم منه أو يقتله وقد جب الإسلام ما قبله..فعظمة النبي لم تكن في خلو قلبه من العاطفة، ولكنها كانت بمجاهدته لنفسه وعدم السماح لتلك العاطفة بخروجه عن الحق والعدل الذي جاء به. 

 

إن أسطرة النبي وإخراجه من دائرته البشرية يتناقض مع فكرة الابتلاء التي خلق الله الحياة من أجلها، فلو كانت السيرة سلسلةً متواصلةً من الخوارق لكان ذلك دافع انبهار للناس في ذلك الوقت ولما كان هناك معنى للإيمان، لأن حقيقة الإيمان هي في كونه إيماناً بالغيب، والمعجزات تنتمي إلى عالم الشهادة إذ يلمسها الناس بحواسهم، لذا فإن الابتلاء يحتاج إلى ظروف بشرية، ولو لم يكن يوسف عليه السلام شاباً ينبض بالشهوة، ويميل بفطرته للنساء، ويخشى على نفسه من الوقوع في الزلل "وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن" لما كان هناك أي أفضلية له، ولكنه استحق الفضل حين انتصر على نوازعه الإنسانية فأصبح مثلاً في التعفف. 

 

إن روعة السيرة النبوية تنبع من كونها سيرة إنسان بشر له مشاعر كأي إنسان آخر ويعتريه ما يعتري كل إنسان من ضعف ورغبة وألم وحزن وفرح وترح، ومع ذلك فقد استطاع أن يجاهد نفسه حق الجهاد فيصوغ أروع معاني السمو والعظمة من لحم ودم..

 

والله أعلم..