لا تخطئ العين مظاهر الحضارة العريقة في البلاد التركية الممتدة في إسطنبول مثلاً (القسطنطينية) القديمة تجبهك بقوة ثلاث حضارات، الحضارة البيزنطية والحضارة الإسلامية الأولى، والحضارة العثمانية. معالم هذه الحضارات الثلاثة تتعانق وتتجاور في سكينة مسكونة بالاحترام والتقدير للتاريخ.
الأسوار السميكة العالية التي تحيط بالقسطنطينية القديمة مازالت قائمة، وتحكي لك قصة الفتح الإسلامي في مراحل الفشل ثم النجاح على يد السلطان محمد الفاتح ابن الواحد والعشرين ربيعًا، وإذا نزلت إلى ما وراء السور باتجاه البيسفور وقفت بإجلال واحترام أمام مقام الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري ابن الثمانين الذي استشهد على أسوارها رغبة بالفتح والفوز بالمغفرة التي شملت جيش الفتح كما في الحديث الشريف، وإذا ما وقفت على قصر السلطان عبد الحميد، وقصر المشاهرة، والجامع القريب منه أدركت كم كانت الخلافة العثمانية عظيمة.
عظمة الحضارة التركية الموروثة والحديثة التي طورها حزب العدالة والتنمية تلمسها في كل شيء لا في العمران فحسب بل تلمسها في كلام المسئولين. ففي زيارة لمسئول أمريكي إلى مسجد بورجية قال له إمام المسجد مجيبًا عن سؤاله كم عمر هذا البناء؟ فقال: قبل أن تكتشف أمريكا بأربعمائة عام، وكان يمكن أن تكون الإجابة بطريقة مغايرة لكن أنفة التركي وتمسكه بقوميته جعلته يربط بين أمريكا والمسجد في مقاربة للحضارات وللقوة.
الإحساس التركي بالقومية والتفوق يتغلغل في المشاهد المادية والمشاهد المعنوية حيثما تجولت في المدن والمتنزهات التركية، وفي المتاحف. وتقديم إسطنبول العريقة نظيفة، هادئة، فجلّ حديث رئيس بلدية اسطنبول الذي يترأس في الوقت نفسه اتحاد البلديات العالمية عن الاستقرار والنظافة والعدالة، يقول لك إن العالم يتسع إلى (12 مليار) نسمة، فما باله يتنازع ويتصارع وهو لا يزيد عن (7 مليارات) نسمة. لا تفسير عندي غير الظلم. وإذا تحدث لك عن الإسلام تحدث عن نظام أقام العدل، وقدم الحضارات للعالم بالحب دون تمييز بين عرق أو جنس أو لغة أو دين. وقد شهد العالم عظمة العلاقات الدولية في ظل المسلمين.
لا شيء في تركيا أعظم من الشخصية التركية بعد الحضارات والتاريخ، فالتركي يتحدث بعزة، وتسكنه الأنفة، لذا وصفه من يجهل النفس التركية والحضارة التركية بالعنيد، أو المثابر، غير أننا لم نلمس هذا العناد مع من جمعنا بهم أخوة الدين والإسلام، ووجدناهم قريبين جدًا منا ومن القدس وفلسطين ويحدثونك عن حياة الصحابة متبركين بالحديث ومتذللين أمام عظمة صحابة النبي – صلى الله عليه وسلم. يلخص المشهد في تركيا عظم الحضارة، وعزة النفس في ظل جلال الإسلام.