حلويات المرحلة

نشر 04 يناير 2012 | 03:00

 تعتبر العادات الغذائية للشعوب دلالة عليها وعلى أنماط حياتها وأفكارها ومشاعرها، وقد وضّح رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتباط الغذاء بالحياة، فنصح بالاعتدال فيه بنصيب الثلث للطعام وثلث آخر للشراب وثلث أخير للنفس، والنفس يحمل معان كثيرة غير التنفس، فهو الحياة والعمل والقدرة والهمة والابتكار في حال الاعتدال أو الموات والخمول البلادة في حال الزيادة، كما أنّ للطعام أثرا على طباع البشر، فالذين يكثرون من أكل اللحوم يمتازون حسب الدراسات بحدة الطبع والجمود، بينما الخضار والفواكة تمنح آكليها شعورا بالانتعاش والخفة والليونة، ومن هذا المنطلق التفاعلي بين الطعام والحالة الشعورية للإنسان نهينا عن أكل لحم الخنزير وشرب الخمر لما يورّثانه من فقد للإحساس.

 

 ولقد رافق الازدهار الحضاري في الأندلس ازدهارا في طرق إعداد الطعام وتقديمه وأنواع الوجبات وعددها في اليوم والمواد المستخدمة في الطبخ والأواني، بينما ضرب لنا مجتمع المدينة النبوي مثالا آخر في الزهد والتعالي على شهوة الطعام علما من الرسول بما علّمه الله أنّ ليس كل أفراد الأمة يستطيعون التمتع بالطعام، بل سيكون منهم من لا يجد كسرة خبز ناشفة ليبللها بالماء وقد يموت البعض جوعا، فضرب لهم أقصى أمثلة التحمل والسيطرة فربط على بطنه حجرين ليسكت جوعه صلى الله عليه وسلم، وما أكل يوما حتى شبع وكانت النار لا توقد في بيته للطبخ شهورا متتالية.

 

 وبين المثالين النبوي والأندلسي فكرة تتناسب مع رسالة المجتمع في ذلك الوقت، فمجتمع المدينة كان مجتمع بناء وتربية يحتاج للصبر والجلد، بينما المجتمع الأندلسي كان مجتمع تنعم وحصاد لغرس نهضة كان للأولين دور كبير في إدراكها.

 وكذلك طعامنا في مرحلة الثورة لا بد أن ينبّئ عنّا وعن مرحلة الانعتاق والحرية التي أدركناها وعما نصبو إليه من طموحات العدالة والمساواة والازدهار.

 

 في مراحل الطغيان والفساد والاستئثار بالسلطة انتشرت في بلادنا حلويات مثل: سد الحنك وكشك الفقراء والخبيصة ورأس العبد، ويبدو أنّ هذه كلها أنتجت في أجسادنا أكثر من الطاقة والدهون لدرجة أنّها أصبحت جزءا من أخلاقنا وتصرفاتنا، فسددنا حنكنا سنوات تلو سنوات على الظلم حتى أصبح سد الحنك وقصر اللسان خصلة طيبة وممدوحة لأن الحيطان في بلادنا لها آذان، وأصبحت أحوالنا مخبوصة والمستقبل مطموسا في القاع لا يرى بالعين المجردة ولا بالتيلسكوب، وأصبحنا عبيدا فقراء نضع رؤوسنا بين الروس ونقول يا قطاع الرؤوس.

 

 لم أحزن كثيرا عندما قرأت أنّ رأس العبد في بلادنا قد أصابه الفساد، ولم أحنّ لمرحلة كنّا نأكل رأس العبد صباح مساء ونقول هل من مزيد، فسواء أكان الخبر حقيقة أم إشاعة فقد أصبح رأس العبد بطبيعة المرحلة غير صالح للاستهلاك البشري، فرؤوسنا ما عادت رؤوس عبيد بل صارت رؤوس أحرار كما أراد الله لها أن تكون منذ أن خلقها وأسجد لها الملائكة.

 لم نعد نريد رأس العبد وإنّما نريد رأس الحر ليصبح ما يدخل إلى أجسادنا يصب في بناء الحرية فيها، ولنذوق طعم الحلاوة على شفاهنا حرية وإصلاحا وعدالة في واقعنا.

 

 دمتم أحرارا ورؤوسكم مرفوعة غير قابلة للقطع ولا للاستخفاف أو أن يأكل بها أحد حلاوة على رأي المصريين، رؤوسا حرة لا تنحني إلاّ لله.

 

 وليصبح شعارنا حلاوة رأس الحر أنستني مرارة رأس العبد.