أحمقان

نشر 02 يناير 2012 | 08:27

أستغرب اثنين، رجل يقول إنه سيؤدب الناس ويلزمهم بتغيير مسلكهم وملبسهم، وآخر يقتنع بأن بمقدوره أن يفعل ذلك، حتى قلت إنهما أحمقان: من يردد هذا الكلام ومن يصدقه.

 

كان ذلك ردي على كل من سألني عن رأيي في تصريحات بعض السلفيين التي أبرزتها وسائل الإعلام وخصصت لها بعض الصحف أعدادا خاصة، ثم انخرط عدد من المثقفين المحترمين في التعليق عليها بعدما أخذوها على محمل الجد. وكانت النتيجة أن شاعت البلبلة بين الناس، وسرى الخوف في أوساطهم، حتى حدثني بعض من أعرف أنهم باتوا يفكرون في الهجرة بحثا عن «ملاذ آمن» من غارة السلفيين واليوم الذي ينقضّون فيه على السلطة في مصر.

 

لنحسبها بالعقل ــ هكذا قلت لسيدة متدينة أرجّح أنها أصدق إسلاما من كثيرين من الذين يطنطنون أمام كاميرات التليفزيون ــ لو أن واحدا منهم نجح في انتخابات رئاسة الجمهورية، رغم أنني أشك كثيرا في ذلك، وإذا تم انتخاب بعضهم في مجلس الشعب، هل سيمكن الأول أو الآخرون من تغيير مسلك الناس وملبسهم؟ ــ هل يتصور أحد أنهم سيكونون وحدهم في الساحة؟ وهل سيمكنون من إلغاء جميع مؤسسات الدولة وكل القوى السياسية الأخرى؟ وهل يعقل أن الشعب الذى خرجت ملايينه احتجاجا على طغيان مبارك ونظامه يمكن أن يسكت على أي طغيان آخر، حتى إذا كان باسم الدين؟

 

قالت: «طالبان» فعلتها في أفغانستان.

 

قلت: لا وجه للمقارنة بين أفغانستان ومصر. والبرقع الذى ترتديه النساء هناك ــ الأقرب إلى النقاب عندنا ــ جزء من ثقافة المجتمع وقد كان موجودا قبل طالبان وبعد زوال نظامها. ثم إن الحركة كانت تنظيما مسلحا تمكّن من السلطة وفرض فهمه الساذج للالتزام الديني، الذي تعلمه أعضاء التنظيم في المدارس الدينية، الأقرب إلى المدارس الإعدادية عندنا.

 

لم يعد انفعال السيدة إلا حين أحلت إليها مقالة نشرتها صحيفة هاآرتس (في 1/12) كتبها آرى شبيط انتقد فيها التطرف الديني في إسرائيل، الذى تمثله عدة أحزاب في البرلمان (الكنيست)، وقال فيها ما نصه: في إسرائيل طوفان لم يسبق له مثيل من العنصرية إزاء العرب يروج لكراهية العلمانيين واضطهاد النساء، ويهدد بجعل إسرائيل المتنورة إسرائيل الظلامية. وفي حين يجتارون هنا هل يجب على إسرائيل أن تقصف إيران أم لا، يوجد بيننا من يحاولون جعل إسرائيل إيرانا أخرى. (في التشدد الديني).. إن متطرفي الله اليهود يخرجون الآن في هجوم صريح على الأقلية وعلى الفرد وعلى حقوق الإنسان، وهم يحاصرون المحكمة العليا والصحافة الحرة والمجتمع المفتوح، ثم إن حصار طروادة الذى في داخلنا ليس هو اليسار بل الأصولية الدينية، وظاهر الأمر أن الحكومة الحالية هي التي تفتح الأبواب لحصان طروادة، وهى التي تضعف إسرائيل وتضعضع وجودها. وقد حان الوقت ليفهم اليمين الديني أنه إذا تحولت إسرائيل إلى إيران، فلن يكون لها أمل في المستقبل، لأن عراها سوف تنقض من الداخل وتبتلع في الظلام الديني الإقليمي.

 

الأدبيات المماثلة في الولايات المتحدة أكثر، لأن هناك نحو 66 منظمة يمينية بعضها يعلن صراحة أنه من الضروري إعادة تنصير أمريكا، وأنهم يسعون للوصول إلى السلطة السياسية لفرض الأخلاق الدينية بقوة القانون. وكنت قد فصلت في هذه المسألة في مقالة سابقة، عرضت فيها لمضمون كتاب «المسيحية هي الحل»، الذى صدر بالفرنسية للبروفيسور مختار بن بركة. ونقله إلى العربية أحمد الشيخ.

 

الفرق بيننا وبينهم ثلاثة أمور: الأول أنهم يتحركون في حدود احترام القانون والدستور (في الحالة الأمريكية). الثاني أنهم يمثلون في المجالس المنتخبة بحجمهم الطبيعي. الثالث أن شرعيتهم محل احترام من القوى السياسية الأخرى، الأمر الذي لا يتعارض مع انتقادهم بطبيعة الحال. هناك فرق رابع أخجل من ذكره هو أن الخلاف مع تلك القوى اليمينية له سقف وحدود، على العكس من الحاصل عندنا يدار الخلاف بأسلوب الروح والإثارة والاستباحة التي لا تعرف حدودا.

 

لن أختلف على من يقول إن السلفيين في مصر ليسوا شيئا واحدا، ولكنهم أطياف عدة، منهم العقلاء والمهووسون، لكن أغلب وسائل الإعلام عندنا وكذلك بعض المثقفين المحترمين فضلا عن غير المحترمين بطبيعة الحال تحتفي بالمهووسين الذين صاروا نجوما في الفضائيات ومتحدثين إلى الصحف اليومية والأسبوعية، التي باتت تتنافس على الإثارة التماسا لزيادة التوزيع وممارسة لهواية الدس والوقيعة لأسباب ليست كافية. والضحية في نهاية المطاف هو المواطن العادي والبريء الذى أصابه مس من الحمق من كثرة ما رددوا على أسماعه كلام الحمقى. حتى المتدينون أنفسهم أصبحوا فزعين من التدين الذي جاء في ثنايا الربيع الذي بشِّروا به، الأمر الذي يستدعي السؤال التالي: هل ضاقت الساحة بالعقلاء بحيث لم يعد يسمع لهم صوت؟