كلام الإعلام ويقين المرشد

نشر 29 ديسمبر 2011 | 08:10

الأعصاب مشدودة في ميدان التحرير بمصر، ولكنها ليست كذلك في المستويات الرسمية، وعند قادة الأحزاب والتكتلات. الإعلام يقوم بحملة تخويف غير مبررة، وهو الذي يزيد من لعبة الأعصاب المتوترة.. الإعلام لم يتكيف بعد مع المتغيرات الجديدة. لم يكن الإعلام في عهد نظام مبارك مع الشعب وطبقاته المسحوقة وإنما كان مع النظام نفسه، وهو الآن لم ينتقل بالثورة إلى الشعب أيضاً، فهو ينكر على الشعب تصويته للتيارات الإسلامية. ويذهب إلى الزعم بأن الفقراء و"الغلابة" والمساكين فقط هم الذين صوتوا للإخوان وللسلفيين. وفي الوقت نفسه لا يستطيعون تفسير فوز الإخوان في النقابات (المحامين، والأطباء والمهندسين، وأساتذة الجامعات) بالفقر أو الجهل، فهؤلاء هم الطبقات المثقفة التي تتمتع بمستوى معيشي مستقر وجيد.

 

الأعصاب المشدودة يثيرها الإعلام الذي يتبنى الاشتراكيين الثوريين، والليبراليين العلمانيين، وهم فئات قليلة، ربما ترى بأن إثارة الفوضى قد تسمح بإعادة ترتيب نظام الحكم بمعزل عن التيارات الإسلامية، على قاعدة (رايس) (الفوضى الخلاقة) لإضعاف بنية المجتمعات العربية من داخلها، والتمهيد لانتصار الأحزاب الموالية للفلسفة الغربية، وهم الذين يثيرون التخوفات من إفلاس مصر، وانهيار السياحة، ويزعمون أن التيارات الإسلامية لا تملك برامج عمل واضحة ومحددة.

 

فكرة احتكار السلطة في يد الليبراليين واليساريين مازالت تحرك المشاغبين ضد التيارات الإسلامية في مصر وفي غيرها، وكأنه يحرم على الإخوان والتيار الإسلامي بشكل أوسع المشاركة في السلطة والحكم حتى ولو كانوا خبراء ورجال دولة، ويحظون برضى الشعب عنهم.

 

حديث الإعلام عن الدولة المدنية هو حديث يستهدف تضليل الناخب المصري، وحشد طاقات المعارضين لفوز التيار الإسلامي لقطع الطريق مقدماً على تكليفه بتشكيل الحكومة، مع أن فكرة الدولة المدنية هي فكرة إسلامية، إذ لم يدعو الإخوان يومياً لإقامة حكومة دينية، لأنه لا يوجد في الإسلام رجال دين، أو كهنوت.

 

أيام قليلة على الجولة الثالثة والأخيرة للانتخابات البرلمانية، وعندها تسكن الأعصاب المشدودة. وتعود إلى طبيعتها عند أغلبية المشاركين في العملية الانتخابية، غير أن هذا السكون سيترجم نفسه بعراقيل، ومشكلات، ومطالبات فئوية، تستهدف إشغال الحكومة المنتخبة والبرلمان المنتخب عن قضايا مصر الكبرى، بغرض إفشال تجربة الإخوان في الحكم، ولا أحسب أن الإخوان بمعزل عن هذا التصور المؤسف، بل هم يتوقعون أكثر من ذلك، لذا فهم يوطنون أنفسهم على تحمل المعاناة، والصبر على الآخرين، وإن ذهبوا شططاً في مواقفهم وكيدهم، حتى تنجح التجربة، ويفيئوا إلى الحق والصدق مع الله ثم مع الشعب.

 

كان كلام المرشد العام للإخوان كلام الواثق بالمستقبل، وكلام من امتلأ قلبه بيقين التوكل والنجاح، فمن غالب الديكتاتورية والقمع والسجون، هو أقدر على مغالبة مسئوليات الحكم، ومغالبة المثبطين، فإذا قدّر لك والتقيته أو جلست إلى أعضاء مكتب الإرشاد فلا تسمع صخباً، ولا لغطاً، وإنما ثناء وشكر لله الذي أعطى الشعب في مصر أكثر مما يتوقع في اليوم الأول من خروجه إلى الميادين والتظاهرات في 25 يناير من العام المنصرم. وهم واثقون أن الله سيمنحهم القدرة على قيادة مصر إلى مستقبل أفضل بالشراكة مع الآخرين دون إقصاء لأحد، أو استصغار لحجم حزب أو جماعة.

 

ليس في أي من دول العالم الحر الديمقراطي حكم بلا معارضة، وأحياناً تكون المعارضة مشاغبة ومثيرة للقلق، ومع ذلك فالحكومات تتعامل مع المعارضة من خلال أنظمة وقوانين تحكم العملية الديمقراطية. وإنه بتقدم المسيرة الديمقراطية عاماً بعد عام ستسترد مصر عافيتها السياسية، وقرارها السياسي المستقل، وأصالتها البرلمانية الديمقراطية في الحكم بعد أن غابت عنها لعقود طويلة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ويذهب الإعلام ويبقى يقين المرشد في الناس، أما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.