عروس الصحراء أوالقصر المشيد، هكذا تعرف المفرق ثاني أكبر محافظات الأردن، ذات التاريخ العريق والآثار الشاهدة في العصور البيزنطية والعربية والإسلامية، أرض لم تفتأ معطاءة لأهلها إن لم يكن على سطحها، ففي مياهها الجوفية ما يروي الظمأ ويسقي الظمآن، ويحيي موات الأرض والإنسان، وقد كان لطيب المكان دور في اجتذاب كثير من عوائل وعشائر الأردن إليها على مر العصور.
والطبيعة الطيبة ليست أرضا أوموقعا جغرافيا، أومناخا وموارد فحسب؛ بل من قبل ذلك إنسان أردني وطني ملتزم، يرى بلده حبة العين وثمرة الفؤاد الذي تهون دونه الأرواح والمهج.
لذا لم يستو في ظل حركة الإصلاح الذي يعيشه الأردن أن يتأخر المفرق، أو يتأخر أهله عن صفوف السبق الأولى فقد عضهم، وهم أشداء أولي صبر ومصابرة، ما عض إخوانهم في بقية المحافظات وما عض وطنهم الذي نهشه الفساد والمفسدون إربا حتى صار بلد أهل العزم والعزائم فتاتا وكعكة يتقاسمها اللئام والمنافقون الذين يقولون ما لا يفعلون، والظلاميون الذي يدبرون بليل في الغرف الخلفية المظلمة المغلقة ما يفرقون به بين المرء وأخيه، وبين الجار وجاره، وبين من تقاسموا الخبزة والبصلة، والحلوة والمرة على مر سنين وشهدت لأخوتهم دماء الشهداء الزكية على امتداد الأرض المقدسة أرض الصحابة والأنبياء، الظلاميون الذين لا يعرفون حرمة شيخ كبير ولا طفل صغير، ولا امرأة محجبة، ولا طلاب علم ولا بيت ولا مسجد ولا جامعة ولا شارع، ولكنك لا تخطئ وجودهم كلما تطايرت الحجارة وسالت الدماء وتعالت الأصوات وزّيفت الحقائق يضربون في الوطن قبل المواطنين، ويشوهون صورته ويروعون الآمنين ويسكتون ألسنة الحق.
ونتساءل: كيف لأهل المفرق باختلاف توجهاتهم أن لا يغضبوا للأردن والأردنيين؟! فالسكوت لم يعد انتماء ولا ولاء، إنّها الخيانة عينها لهذا الوطن الذي لا نملك غيره رأس مال ولا نرضى عنه بديلا ولا نحيد عن المطالبة بإصلاح شأنه.
كيف لأهل المفرق ولنا أن نثق بالوعود بالإصلاح والديمقراطية والأمن وسلطة القانون وإطلاق الحريات، وقد اختبرنا فشلها الذريع على أرض الواقع في غير مكان وحادثة كان آخرها اليوم في المفرق، ومن قبل أقل من 24 ساعة في الجامعة الأردنية؟ كيف لنا أن نشعر بالأمن وأننا شركاء في المسؤولية من أول اليمين إلى أقصى اليسار وشرذمة هجينة تتحرك بالريموت كنترول تستطيع أن تعيث فسادا أينما تريد بيد مطلقة من حديد تضرب حيثما أرادت الأوامر؟ ألم يأن لأصحاب العقول الثخينة أن يعرفوا أنّ أهل الأردن لا يخافون إلاّ من الله وأنّ السيل بلغ زباه وأنّ لا رجعة عن خيار الإصلاح؟!
قالوا قديما يحذّرون أنّ من يلعب بالنار يحرق أصابعه، فالنار ليست لعبة وسلطانها فقط بيد القوي سبحانه ومن نازع الله سلطته أو ظن أنّ له أن يعذب أو يخوف بالنار قصمه الله ولا يبالي، وقالوا أيضا طباخ السم لا بد أن يذوق عمل يديه ولو بعد حين.
الحمد لله أنّ النار كانت بردا وسلاما على المفرق وأهله، فالعقلاء في وطننا ما زالوا يمسكون بزمام الأمور، وهذه النار ستكون نورا بإذن الله يضيء على الأردن إصلاحا وخيرا ووحدة وحرية حتى تفرح العروس ويظل القصر المشيد مشيدا.
حمى الله الأردن من شر الحرق ومن يريدون أن يشعلوا النار لتأتي على الأخضر واليابس.