لم يستوقفني مشهد اعتداء جنود المجلس العسكري في مصر على الفتاة غادة كمال وسحلها في الشارع وتعريتها من ملابسها، بقدر ما استوقفتني التعليقات السخيفة لفريق من الناس، والتي لا تدل إلا على سطحية تفكير وغياب عن العصر..
القضية هي أن المجلس العسكري الحاكم في مصر يسعى جاهداً للتصدي لمسيرة التحول الديمقراطي، وإعادة إنتاج النظام الاستبدادي، وقمع الحريات، ومصادرة حق الناس في التعبير عن آرائهم، لكن هذا الفريق لا يرى المسألة من هذه الزاوية، فإعادة إنتاج الاستبداد، وقتل الحريات، والاعتداء على الناس بغير وجه حق كلها قضايا ثانوية لا تحتل مرتبة الصدارة في تفكيرهم، ولا تستحق أن توضع على أولوية الاهتمامات..
ما يستحق أن يوضع على سلم الأولويات عند هذا الفريق هو أسئلة من قبيل: لماذا خرجت هذه الفتاة إلى الشارع، وماذا كانت تفعل وسط الشباب، ولماذا لم تكن ترتدي ملابس تحت عباءتها حتى لا يظهر لحمها إذا نزعت عنها عباءتها، وهل كانت منتقبةً أم كاشفةً وجهها، وما هي حقيقة انتمائها فربما كانت تنتمي إلى حركة السادس من أبريل ذات الأجندة المشبوهة من وجهة نظرهم..وذهب أحد العباقرة في استنتاجه إلى أن هذه الفتاة لا بد أن تكون قد اقترفت إثماً يوماً ما، لأنها لو كانت مؤمنةً حق الإيمان وملتزمةً بدينها وأخلاقها، ومحافظةً على قيام الليل وعلى الأذكار لحفظها الله في هذا الموقف، أي أن هذا العبقري تجاوز دوره البشري ليتدخل في عمل الله وتصريفه للأمور..
بل إن هناك من عاب على هذه الفتاة أن تخرج على وسائل الإعلام لتبين مظلمتها بعد الاعتداء، واستدل بهذا الخروج بأنها لا تستحي، فقد كان الأجدر بها من وجهة نظره هي أن تلزم بيتها وتظل صامتةً، وهذا الرأي كارثي لأنه يشجع الجريمة في المجتمع، فما دمنا نخطئ الفتاة في حديثها بدل أن نخطئ المعتدي، فسيجد المجرمون فرصةً للتمادي في جرائمهم اللا أخلاقية، وتظل الفتاة صامتةً خوف الفضيحة.
طرح مثل هذه الأسئلة من فريق ليس بالقليل أشعرني بضيق الصدر لأنه يكشف عن عقول جامدة متحجرة لا تعيش واقعها ولا تقع عيناها إلا على الأمور السطحية التافهة..
سمعت لفريق من المخلصين يحاولون التصدي لشبهات هؤلاء، ويردون عليهم بنصوص من القرآن والسنة، ومع علمي بأن القرآن والسنة كفيلان بأن يلجما هؤلاء ويبطلا دعاويهم، إلا أنني لا أرى المشكلة في نقص النصوص والأدلة، بقدر ما هي في سآمة التفكير وسطحيته، فهؤلاء ليسوا بحاجة إلى مزيد من النصوص للرد عليهم، بل إنهم بحاجة إلى إعادة تأهيل نفسي وإلى انفتاح على العصر ومغادرة لمواقع التقوقع والجمود التي تحرمهم من النظرة السليمة..
الإسلام لا يأمرنا بأن ننقب على نوايا الناس، بل أن نعاملهم بالظاهر والله يتولى السرائر، والموقف أمامنا هو أن فتاةً اعتدي عليها من جنود المجلس العسكري بغير وجه حق، وأن هذا المجلس يستعبد الناس ويمنعهم من التعبير عن آرائهم، لذا فإن كل حر مطالب بأن يتصدى لهذه المحاولات الخطيرة لإعادة إنتاج النظام الاستبدادي..
لا يعنينا إن كانت الفتاة طاهرةً أو سافرةً، مع أنها طاهرة شريفة في حقيقة الأمر، ولا يعنينا من هي وما حقيقة انتمائها، ولا يعنينا ماضيها ولا حاضرها، بل لا يعنينا إن كنا نتفق أو نختلف مع تقديرها السياسي بالنزول إلى الشارع..كل ما يعنينا أنها صاحبة رأي وأنها نزلت إلى الشارع للتعبير عن رأيها، وأنه لا يحق لهذا المجلس الذي لم يصل إلى الحكم إلا بتضحيات هؤلاء الثوار أن يمنعها من التعبير عن رأيها أياً كان هذا الرأي، ومثل هذا الاعتداء الآثم ينبغي أن يستفز كل الشرفاء للنزول إلى الشارع وإدانته أقسى إدانة أياً كانت الحسابات السياسية، لأن المبادئ لا تتجزأ، وإن سكت الإخوان أو السلفيون عن مثل هذه الانتهاكات بحجة أن طبيعة المرحلة تتطلب التهدئة فإن هذا المجلس سيتمادى وسيصل الدور إليهم بعد أن يستكمل المجلس مخططه في استنزاف شعبيتهم وإماتة الحس الثوري لدى الشعب..
لو أردنا أن نرد على هؤلاء بالنصوص فإن النساء كن يشاركن النبي في الغزوات ويذن عنه، وكان يفرض لهن نصيباً من الغنيمة، وحين قتل اليهود أحد المسلمين لأنه دافع عن عرض امرأة كشف اليهود سوأتها لم يسأل النبي لماذا لم تكن هذه المرأة ترتدي شيئاً تحت جلبابها، بل كل ما كان منه هو أنه سير جيشاً لتأديب هؤلاء المعتدين.
ولكن كما أسلفنا فإن ما ينقصنا ليس مزيداً من الأدلة النقلية أو العقلية، بقدر ما ينقصنا أن نصحح طريقة تفكيرنا، ونظرتنا للأمور، وأن نغادر مواقع الانغلاق والتقوقع ونتنسم عبق الحرية لنكون قادرين على التفكير الطبيعي السليم..
والله المستعان..