منذ فترة ليست بالوجيزة بدأت ظاهرة حرق القمامة في الشوارع والأماكن العامة بالظهور ، وأخذت هذه الظاهرة بالانتشار يوما بعد يوم حتى باتت مستشرية في العديد من الأماكن والأزقة والحارات وعلى أبواب المدارس، و يلجأ لهذا العمل " التخريبي " الصبية أو العابثون والمستهترون بصحة المجتمع والأفراد ، في ظل غفلة من المؤسسات صاحبة الاختصاص ، أو عجزها عن مكافحة الظاهرة لضعف إمكانياتها اللوجستية أو قلة الأيدي العاملة أو غير ذلك من الأسباب التي قد لا نعلمها.
ولو أردنا أن نقف على حقيقة الظاهرة وندرس أسبابها لوجدناها تكمن في تجمع النفايات وتراكمها بالحاويات وحولها وفي غير أماكن تجمعها أحيانا ، وتأخر سيارات جمعها عن نقلها وترحيلها في الوقت المناسب إلى حيث أماكن التجمع والمكبات الرئيسة – خارج المدن – كذلك من أسبابها وجود بعض الصبية أو حتى بعض البالغين من المواطنين وإن شئت سمهم العابثين بالأمن الصحي للمجتمع، وتجرؤهم على إشعال النار بأكوام القمامة لأسباب واهية كالتخلص منها أو دون أن تتوفر لديهم أسباب أحيانا.
وعن أخطار الظاهرة فحدّث ولا حرج، حيث لم يعد خافيا على أحد أن الدخان المتصاعد والناتج عن حرق النفايات الصلبة له آثار خطيرة جدا على صحة الإنسان، وتتولد منه غازات خانقة تؤثر سلبا على الجهاز التنفسي والعصبي والبصري ، وحسب المختصين فإن تلك الغازات لها علاقة بولادة أجنة مشوهة وبالتأثير على القدرة الإنجابية للإنسان ، فضلا عن التسبب بأنواع السرطانات الخطرة التي نعرفها وربما لا نعرفها ، بالإضافة لتلوث البيئة وتسميم الأجواء العامة التي تعاني بالأصل من نسبة ليست قليلة من الملوثات البيئية.
وبالنظر للإحصاءات الرسمية التي استطعت التوصل إليها حين كتابة هذا المقال وجدت أن قطاع غزة ينتج عنه يوميا (1350) طنا من النفايات ، يستقبل منها مكب النفايات الرئيس والواقع بمنطقة جحر الديك شرق مدينة غزة (1000) طن ، في حين تتوزع باقي الكمية على مكبات فرعية أخرى وربما عشوائية ، هذه الكميات الكبيرة- نسبيا طبعا – لو تم إحراق نسب ضئيلة منها بأماكن مختلفة في قطاع غزة لكانت كفيلة بإحداث تلوث بيئي مخيف وخطير ، وهو أمر متوقع حدوثه فعلاً.
وبأريحية تامة يمكنني القول بأن هذا الظاهرة تعد مرضاً خطيراً بل وظاهرة موت بطيء تهدد نقاء أجوائنا وحياتنا وصحة مجتمعنا ، ويجب علينا جميعا أن نتحرك من أجل إيقافها فورا ، إن خطورة الأمر تحملنا بالضرورة للحديث عن حلول مقترحة لمعالجة الظاهرة ومحاولة التخلص منها أو على الأقل الحد منها لأكبر قدر ممكن، ومن هذه الحلول توعية فئات المجتمع المختلفة بخطورة الأمر ، ويمكن أن تنضم جهود المؤسسات الرسمية منها والأهلية إلى جهود المخلصين من الشخصيات الاعتبارية والمثقفة في ذلك لتحقيق أفضل النتائج.
بالإضافة لضرورة محاربة البلديات للمكبات العشوائية وخاصة تلك التي يمكن أن تنتشر وبسرعة بين المناطق المأهولة بالسكان ، وإصدار تعليمات واضحة بهذا الشأن من جهات الاختصاص ، ومن ثم مخالفة غير الملتزمين ومن يقدم على إشعال أكوام القمامة بحجة التخلص منها أو لأي سبب آخر.
ومن الحلول المقترحة أيضا مساعدة البلديات وإمدادها بالأدوات والإمكانيات المالية والبشرية والفنية واللوجستية اللازمة ، وتقوية مكانتها ودورها مما يسمح لها بمعالجة سريعة وفعالة في محاربة الظاهرة ، وإجراء بحوث علمية حول إعادة تدوير القمامة وإمكانية الاستفادة منها باستخدام وسائل مبتكرة وتقنيات آمنة، والاطلاع على تجارب من سبقنا بهذا الشأن من دول العالم.