وقل جاءت الثورة وزهق الصنم

نشر 21 ديسمبر 2011 | 08:56

كان أكثر من فعل رمزي قيام رسول الله وصحابته بتحطيم الأصنام على عجل فور دخولهم مكة يوم فتحها، لقد كان تحريرا من الخرافات التي سكنت عقول الناس وأفسدت أخلاقهم وفطرتهم حتى كان الرجل يأكل صنمه الذي يمثّل إلهه إذا جاع، ويخرجه من بيت الخلاء مرارا و تكرارا بعد أن غطسه أولاده بالقاذورات ليصلي ويعتذر له!
 

إنّ الوصول إلى مرحلة كسر الأصنام كان إعلانا بمجيء الحق وزهوق الباطل، وكان ثمن المرحلة مدفوعا بالدماء والتشريد والفقر والجوع والغربة، وكسّر رسول الله صلى الله عليه وسلم الأصنام حتى لا يستعبدنا شيء بعد ذلك ولا يبقى ما يذكّرنا بمرحلة العبودية بعد أن أدركنا التحرير، وإذا بنا بعد تاريخ التضحية والفخار نعيد صناعة الأصنام بكامل إرادتنا وننفق عليها من جهدنا ومالنا وأعراضنا لتستعبدنا كما فعلت سابقا وتلهينا عن عظيم الأفكار ومعالي الأمور!


إنّ الكلمة الانجليزية idol بمعنى الصنم والتي أعاد الغرب العلماني الملحد نبشها في مجال الفنون وحرفها عن موضعها لتحمل معنى الشهرة والنجومية ما هو إلاّ اصطناع لأصنام بشرية استوردناها على غير علم ولا هدى بنفس العنوان العريض بالبنط العريض والفم المليان لنصنع صنمنا العربي Arab Idol!
 

ولكننا لا نحزن على الغرب، فمقابل كل صنم هناك قائد عسكري فذ ومخترع علمي ومحنك سياسي واقتصادي ضليع ومصلح اجتماعي وناشط في حقوق الإنسان، و و ومما لا يتسع المقام لحصره، بينما نحن فاشلون في كل المجالات المهمة، ولكن واقفون بالطوابير كالقطيع لنسد ثغرة الفن على أمل الشهرة السريعة والغنى السريع وننسى أنّ غناءنا في هذا الوقت إنّما هو على جراح أخوتنا ورقصنا خوض في دمائهم.
 

ولقد قال لنا الشاعر ذات يوم على لسان الضحايا محاولا فتح عيوننا:
 

دَمُنا على أبوابكم
دَمُنا على أثوابكم
دَمُنا يلون خبزكم
دَمُنا طلا أكوابكم
 

لن نفترض حسن النية لا في الفكرة ولا في التطبيق ولا في التوقيت، ففي الوقت الذي تحرر فيه الشباب من كل ما يعطل عقلهم ويقعد همتهم ويقيد طاقاتهم ورأوا أنّهم يمتلكون الإرادة والقدرة على الفعل وأصبحوا نجوما بحق تضيء في سماء الخالدين بأجسادهم وأرواحهم ودمائهم التي بذلوها رخيصة لإعلاء رايات أوطانهم وإسقاط كل صنم نصّب نفسه إلها من دون الله وظن أنّ أمره بين الكاف والنون وبيده الملك والملكوت يعطي أسباب الحياة لمن يشاء وينزعها ممن يشاء، خرج عليهم مرة أخرى جهلاء ينادون بعبادة الأصنام!
 

لم يرض صانعو الأصنام أن يتحرر الشباب من ربقة العبودية للأهواء الشخصية ليلتحموا مع هموم أوطانهم وآمال شعوبهم لأنّهم إذا فعلوا ذلك فقد كسد سوق بضاعة من يبيعون الغرائز ويجعلون أقصى طموحات الشباب ما بين بطونهم وفروجهم!


إنّ من يفخر بلقب ما عليه أن يعرف معانيه، وهل يحمل معاني التكريم والتشريف أم هو لقب انتقاص وإدانة؟!


لقد حمل لقب idol آلهة الإغريق والرومان، ولكن سيرتهم في الآداب الكلاسيكية تنضح بكل سوء ووضاعة من تقتيل وانتهاك واستباحة، فإذا كان هذا تاريخ اللقب ومعناه فهل فيه ما قد يغري أبناء العرب للاستماتة عليه والقبول باستعراض النفس وتحمل الإهانة والسخرية أمام الناس وشاشات التلفزة؟! وبماذا يفاخر حملة اللقلب وهم يتسمون باسم من كانوا يُعبدون من دون الله؟!
 

إنّ الأسماء عناوين للمضامين، واختيار المعاني اختيار للمباني، واهتمامات الحاضر تصنع مشاريع المستقبل، فهل يُصنع مستقبلنا على أيدي طبال وزمار وراقصة ومغني؟
 

لقد احترق أبناؤنا لأجل الثورة فهل نقبل أن يخرج من الرماد صنم بدل العنقاء التي تحلق إلى أعلى عليين؟!


الفن قيمة عظيمة ولكن أيّ فن وأيّ إبداع نتوقّع ممن يصوغون رموزهم على شاكلة الأصنام؟!