أبدع الشعب السوري في مظاهراته بالتظاهر الليلي، وأبدع النظام بقطع التيار الكهربائي عن مناطق المظاهرات، واستخدام أجهزة الرؤية الليلية في عمليات القنص العشوائي التي أدت إلى قتل المئات.
ومن الترتيبات نشر الشبيحة، وما أشبههم بقوات المستعربين عند "إسرائيل" ينبثون في المتظاهرين، ويعتقلون ويقتلون قيادات المظاهرات. وهل أتاك أنّ "الفنجري" عضو المجلس العسكري كان يدير عمليات قتل المتظاهرين في القاهرة من مكتب "العادلي" في وزارة الداخلية؟ وهل أتاك نبأ قناصة العيون؟ وهل أتاك نبأ القنابل المتفجرة في سوريا والقنابل المسمارية، وهي تنفجر فتوزع في الفضاء مئات المسامير تخترق الأجساد وتصيب بالشلل؟ ليتنا رأينا عشر هذا في حرب الجولان التي سقطت رغم شدة وعورتها في ست ساعات!
ولن نتكلم الآن عن شبيحة المالكي ومقتدى الذين كانوا يأخذون أعضاء البشر قطع غيار يبيعونها في السوق لمن يشتري. هذا حال العربي في زمن الخونة والصنائع والعملاء والقمع الدموي والسحيلة والشبيحة، والبلطجية.."والله من ورائهم محيط!"
ونواصل في هذه الحلقة الأخيرة من "السحل"، نواصل الحديث عن "الشبيحة" باعتبارهم الصورة القبيحة أو الأقبح ممن يمارسون السحل على الأصول! وعلى كل من له علاقة بالأصول. وكنا في حلقتين سابقتين لخصنا مقالاً لكاتب سوري هو حسن جبران ومقاله بعنوان "الشبيحة في سوريا صناعة نظام" ونواصل الحديث من هذا المقال المهم الذي يكتب عن اطلاع دقيق وقريب وثيق عن هذا الكائن المشوه المسخ الذي روّع حياة الآمنين في سوريا منذ عدة عقود، ثم انبعثوا أو بعثوا من مرقدهم من جديد، كالخلايا النائمة يوقظها من يريد إيقاظها وقتما يشاء، لتمارس الدور الذي يريد. كان الكاتب يتحدث عن هؤلاء وأعدادهم التي يقدّرها البعض بستين ألفاً، ثم قال: ليس هو العدد الذي نما بهذا الشكل الخيالي، بل القوة والنفوذ أيضاً، حيث أصبحت لهم قراراتهم الخاصة ومرجعياتهم المستقلة التي تتجاوز موافقة رؤساء الأجهزة الأمنية أنفسهم، بل أصبحوا ينظرون للأجهزة الأمنية على أنّها رخوة ومقصّرة، ولا تتعامل مع الشعب السوري العميل بما يكفي من حزم (أو إجرام). لقد استخدمت عصابات الشبيحة هذه أساليب إجرامية وعنفاً أحرج أحياناً ضباطاً يعتبرون قساة في الأجهزة الأمنية السورية.
عمليات الاستعداد هذه لمواجهة النسخة السورية من الربيع العربي لم تتوقف على شبيحة الشارع فقط، بل شملت أيضاً الشبكة العنكبوتية لأن النظام السوري كان يتابع أخبار الثورة التونسية والمصرية وكان مدركاً للدور الحاسم الذي لعبته مواقع التواصل الاجتماعي في جمع الناس واستنهاضهم وتنسيق حركتهم من أجل خروجهم للمطالبة بحريتهم.
مطالب الحرية لم تعن النظام بل عناه الطريقة التي استطاع هؤلاء أن يبدعوا بها ثورتهم، فقرر ألا يترك شبيحته تنتظر الناس في الشوارع فقط، بل على الشبكة العنكبوتية أيضاً كي يكيلوا لهم السباب والشتائم واتهامات الخيانة والعمالة وينشروا الترويع والوعيد بما تسعفهم به مخيلتهم الإجرامية المريضة، كالقتل، والتنكيل، واغتصاب الأمهات والأخوات والزوجات. إنّهم جنود متفرغون ويقومون بذلك على مدار الساعة. (تكررت المأساة في أحداث الثمانينيات وكانت فظائع السحل والاغتصاب، في المدن وفي سجن تدمر بالذات، وآلاف حملن، وكانت أزمة وقتها، وكانت فتاوى. أيام سوداء، كانت وتكررت على يد العصابة السوداء والكف الملطخة بالسواد وبالدماء، ويحدثونك عن مؤامرة، أنتم المؤامرة!)
ونواصل مع المقال، قال عن الشبيحة شبحهم الله في جهنم، وأرانا فيهم في الدنيا خزياً وذلاً، عاجلاً قريباً، قال عن هؤلاء المغتصبين: مستلهمين (تجربة) شبيح متمرس هو ابن عمة الرئيس، وكان رئيساً لفرع الأمن السياسي في درعا أثناء بدء الأحداث. وهو بالمناسبة منصب يحتاج إلى موافقة الرئيس شخصياً، عندما قال لوفد من وجهاء درعا جاء في بداية الأحداث ليسأل عن الأطفال الذين اعتقلهم وقلع أظافرهم لأنّهم كتبوا على الجدار العبارة الشائعة: الشعب يريد إسقاط الرئيس، فكان جوابه لهم إنّه ليس لكم أولاد عندنا، وإذا كنتم تريدون أولاداً فاذهبوا وأنجبوا غيرهم، وإذا كنتم غير قادرين على ذلك فهاتوا نساءكم وسنساعدكم في إتمام المهمة. قال هذه العبارات لوجهاء درعا وهم رجال يرتدون العقال (رمز عزة العربي البدوي)، وكل منهم يمثّل عشيرة تتكون من آلاف (أو عشرات آلاف الأشخاص)، فما كان من هؤلاء إلاّ أن خلعوا العقُل (جمع عقال) عن رؤوسهم. (ومن تسبب في هذه الثورة لم يحاسبه أحد، لأن كرامة الناس لا تعني للنظام شيئاً!)
لشبيحة مواقع التواصل الاجتماعي مهمة أخرى وهي تحضير الضحية ووضعها على المذبح، كي يعمل بها ساطور شبيحة الشارع. وهي عملية تكررت كثيراً، وتبدأ في تناول شخصية معارضة، تتناول هذه الشخصية وتبدأ بالتحريض عليها بتهم العمالة والخيانة والاصطفاف إلى جانب المؤامرة الكونية ضد سوريا مما يمهد الطريق، ويعطي المسوغ لشبيحة الشارع أن ينزلوا بهذا الشخص أبشع أنواع العقاب الجسدي والمعنوي، أو ينفي التهمة عن نفسه عن طريق الإعراب عن تقديسه للرئيس، أو ينفي نفسه بالخروج من البلد، وصعوبة هذا الخيار أنّك لا تستطيع أن تهرب بكامل أهلك، فيتحولوا رهينة بيد نظام لا يرحم. (أعتقد أنّ هناك صوراً أخرى لنشاط هؤلاء، بأن يواعدوا الثوار على اللقاء في أمكنة ثم يكون الأمن في انتظارهم، تنوعت طرق الخداع ومصائد المغفلين، والغدر واحد!)
يقول: هؤلاء يسميهم الشارع السوري شبيحة الفيس بوك، وهم الفيلق التوأم لشبيحة المظاهرات، كل يلعب دوره في القتل سواء الجسدي أو النفسي والمعنوي. وألقيت مهمة تمويل هؤلاء لرجال الأعمال الذين أوجدهم النظام وسمح لهم بنهب الدولة والشعب في سوريا فجمعوا المليارات في سنوات، ولكن قد انكشف هؤلاء أيضاً.
وستكون أسماؤهم في قوائم المطلوبين بتهمة تمويل عصابات إجرامية قتلت السوريين. لقد بدأوا يدركون ذلك، ولذا يستميتون دفاعاً عن النظام الذي يحميهم من المحاسبة (ومكنهم من النهب والسلب والتشبيح، لذا يمارسون التسبيح بحمده!)
الأخطر من هذا وذاك أنّ وجود الشبيحة المسلحين وجهاً لوجه أمام المتظاهرين العزل، وممارستهم القتل، كما تثبت وقائع الأشهر الأولى، أعطى المبرر لتسلح قسم من الشارع المعارض. (أقول: وأخطر من هذا الذي قال وهو صحيح أنّ إعلامهم القذر كان يصور هؤلاء على أنّهم هم الثائرون. ألم يفعلها مبارك ونظامه من قبل عندما كان يلصق تهم البلطجة بالمعارضة والجماعات؟!)
يقول الكاتب: مما دفع الأمور في اتجاهات عنيفة يشك المراقبون أن تكون تحت سيطرة أحد.
ويبقى السؤال الكبير، وهو: لقد انتصر النظام، أولو حدث الحوار المأمول مع المعارضة، وتم الاتفاق على الانتقال بسوريا إلى دولة مدنية، وحتى لو نجح بشار في الانتخابات وعاد رئيساً فهل يستطيع أن يعيد الشبيحة إلى حظائرها؟ المراقبون عن كثب للواقع السوري يشكون في ذلك. (ما أشبه هذا بأفلام هوليود، يخترعون الوحش ثم يفلت من قبضتهم ويدمرهم هم!) يقول: لأن جيش الشبيحة الجرار هذا يجاهر علناً بأنّه هو الذي يحمي النظام من السقوط، وأنّ الرئيس نفسه إن بقي فهو يدين لهم ببقائه، وعليه فبأي حق سيجرؤ على إيقافهم وإخضاعهم للسيطرة، ليس بالضرورة سيطرة القانون، بل حتى سيطرته الشخصية. الوحش قد يأبى هذه المرة العودة للحظيرة، وقد يعض مربيه (أو يأكله)، أما إذا سقط النظام (وهو ساقط لا محالة إن شاء الله، وإن ظن أنّ ما فعله الوالد يتكرر مع الولد، فهذا وهم وذاك زمان ولّى!)
إذا سقط النظام فستتحول هذه العصابات الإجرامية على الأغلب إلى جماعات مسلحة (غوريلاوور!) تقاوم المؤامرة على سوريا بقتل شعبها، وفي كل الأحوال لقد أحدث هؤلاء (الشبيحة) جرحاً غائراً في الجسد السوري سيبقى نازفاً لزمن طويل.
شهداء الحرية في سوريا
وأحب أن أختم هذه السلسلة بأبيات لشوقي، وكأن الشاعر العبقري أمير الشعراء أحمد شوقي كان يعني شباب سوريا من الشهداء، إذ قال في شهداء مصريين قبل ثمانين سنة ونيف من الآن (ومن أبياتها):
ألا في ســــبـــيـــــل الله ذاك الــــــدم الغـــــالي
وللمجد ما أبقى من المثل العالي
وبعض المنــــــــايـــــــــا همـــــــة مــــــن ورائهــــــــا
حيــــــــــاة لأقـــــــــوام، ودنيـــــــــا لأجيال
أعيـــــنيّ جــــــــــــــودا بالـــــدمــــــــــــوع عـلـى دم
كريــــــــــــم المصفّى من شباب وآمال
نعـــــــاها لنا النــــــــــاعي، فمـــــــال علـــــى أب
هلـــــــــــوع، وأم (بالشـــــــــآم) مثكـــــــــال
لك الله، هذا الخطب في الوهم لم يقع
وتلك المنــــــايــــــا لم يكـــــنَّ عـــلى بال
إذا مــــــــــــــال صــــــــف فــــأخـــــلـــفــــوه بــــآخرٍ
وَصُــــــولِ مســــــــاعٍ، لا ملولٍ، ولا آل
إذا جـــــــــــزع الفتـــــــيــــــــان في وقـــــع حـــادث
فمن لجليل الأمر أو معضل الحال
فغنـــــــــوا بهـــــــاتيك المصـــــــــــــارع بينكـــــــــــم
تــــــــرنم أبطـــــــــال بـــــــــأيــام أبطـــــــال