في خطوةٍ ذات دلالات واضحة، حرص عدد من الجنرالات الإسرائيليين في الاحتياط، من الذين تعاقبوا على قيادة المنطقة الجنوبية في جيش الاحتلال، المسؤولة عن العمليات العسكرية في قطاع غزة، على التأكيد بأنّ حملة عسكرية كبيرة على قطاع غزة أصبحت مسألة وقت.
وتزامن التعبير عن هذه المواقف في ظلّ ما كشفته وسائل الإعلام الإسرائيلية عن مناورات كبيرة يجريها الجيش الإسرائيلي على التدرُّب على شنّ حملة عسكرية على قطاع غزة في صحراء النقب، وتحديدًا في منطقة " تسئليم"، التي تعتبر منطقة التدريبات الرئيسة بالنسبة لجيش الاحتلال. الجنرالات يوآف جلانات، الذي كان قائدًا للمنطقة الجنوبية في جيش الاحتلال وعين لمنصب رئيس هيئة الأركان، وسلفه في الجنرال دان هارئيل، وقائد القوات الإسرائيلية السابق في قطاع غزة الجنرال شموئيل تامير اتفقوا على أنّه يتوجب توجيه ضربة عسكرية على قطاع غزة بحجة أن بقاء الأوضاع على حالها يعنِي التسليم بتحوُّل قطاع غزة إلى منطقة تهديد رئيسة بالنسبة لإسرائيل مع كلّ ما يعنيه هذا الأمر. لكن على ما يبدو إن المسوغات التي ساقها الجنرالات الثلاث لا تشمل منظومة المحفزات التي تدفع النخب الأمنية والسياسية الحاكمة في إسرائيل لشنّ حملة عسكرية على القطاع.
خشية التنسيق بين حماس و"إخوان" مصر
إنَّ أهم سبب يدفع الإسرائيليين لشنّ حملة على قطاع غزة تتعلق تحديدًا بالتحولات التي يشهدها الوطن العربي، لا سيما مصر. ويستدلّ من الجدل الإسرائيلي الدائر أنّ نقطة الافتراض الرئيسة التي يجمع عليها صناع القرار في إسرائيل هو أنّ نتائج المرحلة الأولى من الانتخابات التشريعية المصرية تحمل في طَيّاتها معطى يثير قلقًا هائلاً في أروقة صناع القرار الصهاينة، حيث إنّ هذه النتائج تعنِي أنّ الإخوان المسلمين سيلعبون دورًا أساسيًا في تصميم القرار المصري في المرحلة المقبلة. ولأنّ الصهاينة يدركون أنّ حركة حماس تشكل امتدادًا للإخوان المسلمين، فإنهم يتوقعون أن تكون قدرة إسرائيل على ضرب حماس بعد استتباب الأمور في مصر محدودة للغاية، علاوةً على الافتراض بأنّ مصر في ظل حكم الإخوان المسلمين ستتساهل في تهريب السلاح لقطاع غزة، وهذا ما يجعل النخب الحاكمة في إسرائيل ترَى أنه يتوجب المبادرة والإسراع بتوجيه ضربة لحركة حماس حاليًا.
قبل انتقام أوباما
وهناك سبب آخر يدفع تلّ أبيب للإسراع في العمل ضد قطاع غزة بشكلٍ عاجلٍ، ويتمثل في زيادة فرص الرئيس أوباما بالفوز بولاية رئاسة ثانية، حيث يفترض صناع القرار في تل أبيب أن أوباما سيبدي موقفًا أكثر تشددًا تجاه حكومة نتنياهو بسبب تعمدها إحراجه واللعب على المتناقضات في الساحة الداخلية الأمريكية بشكل فجّ، ولإدراكه أن سلوك حكومة نتنياهو أضرّ إلى حدّ كبير بالمصالح الأمريكية في المنطقة. ولعلّ ما تسرب من فضفضة بين أوباما والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي والتي نشرت تفاصيلها على أحدى المواقع الإخبارية الفرنسية، حيث أعرب أوباما عن ضجره الشديد من سياسة نتنياهو، توجز حقيقة موقف أوباما من نتنياهو. إنّ نتنياهو يدرك أنه سيكون الطفل المدلل لأوباما حتى إجراء الانتخابات الرئاسية الأمريكية في نوفمبر من العام 2012، وذلك بسبب حاجة الأخير للصوت والدعم المالي اليهودي، لكن الأمور ستنقلب رأسًا على عقب في حال فاز أوباما بولاية ثانية، حيث إنّ أوباما سيتحرّر من الحاجة للصوت والمال اليهودي. من هنا فإنّ حكومة نتنياهو تدرك أن عليها أن تسرع بإنجاز كل المهام التي تتطلب دعمًا أمريكيًا كبيرًا قبل إجراء الانتخابات الرئاسية الأمريكية لضمان دعم أوباما، وضمن ذلك تنفيذ عملية في غزة. من هنا فإنّ النخب الإسرائيلية ترى أنه في حال اتخذ قرار نهائي بشنّ حملة عسكرية على غزة أو حزب الله أو إيران، فيتوجب أن يتم ذلك قبل نوفمبر القادم.
أهداف الحملة
وترَى النخب الأمنية في إسرائيل أنه نظرًا لأن الأوضاع الدولية والإقليمية لا تتيح معالجة جذرية لمسألة إطلاق الصواريخ واجتثاث البنية والبشرية المسؤولية عن إطلاق الصواريخ، وفي الوقت الذي لا يوجد حراك سياسي يمكن أن يسفر عن تفاهمات تفضِي إلى وقف إطلاق الصواريخ، فإنّ أي عملية عسكرية في قطاع غزة يجب أن تفضي إلى تحقيق هدفين أساسيين، وهما:
1- استعادة الردع الإسرائيلي في أعقاب تآكل الردع الذي بنته إسرائيل في أعقاب الحرب التي شنتها على قطاع غزة أواخر عام 2008، وهذا يعنِي أنه سيتمّ تأجيل المواجهة القادمة لأبعد وقت ممكن. ويتطلب تحقيق هذا الهدف توجيه ضربة عسكرية صاعقة على العدو تجعله يقضي وقتًا طويلاً في محاولة التخلص من آثار هذه الضربة والمرور في عملية طويلة لمعالجة الأضرار وبناء القوة من جديد.
2- تقليص وقت الحملة العسكرية، وبالذات تقليص الأضرار التي تتكبدها إسرائيل جرائها، وهذا يتطلب إجراء تدريبات طويلة وشاقة حول كيفية القضاء بشكلٍ سريعٍ وعاجل على إمكانية أن تواصل الحركات الفلسطينية إطلاق الصواريخ، وذلك بالسيطرة على الأراضي التي تطلق منها الصواريخ. ومن أجل تقليص الأضرار الناجمة عن الحملة على الصعيد الإسرائيلي يتوجب تحسين قدرة الجبهة المدنية الإسرائيلية على تحمل عمليات إطلاق الصواريخ عبر بناء تحصينات إلكترونية ومادية حول التجمعات الاستيطانية التي يتوقع أن تصاب أكثر من غيرها أثناء إطلاق الصواريخ.
إخلاء المدنيين
لكن إسرائيل تدرك أن تحقيق هذه الأهداف تتطلب العمل داخل مناطق مأهولة بالسكان، حيث إن قطاع غزة هي المنطقة التي تضم أكبر كثافة سكانية في العالم، الأمر الذي يعني أن تحقيق الأهداف آنفة الذكر يعني إلحاق إصابات هائلة بالمدنيين الفلسطينيين. لكن إسرائيل تدرك أن مكانتها الدولية في الحضيض، وهي تعِي حجم الضرر السياسي الذي لحق بها في أعقاب الحرب الأخيرة على القطاع بسبب ردة الفعل القوية جدًّا التي قوبل بها العدوان الإسرائيلي، لا سيما من الرأي العام الغربي. ومما يزيد الأمور تعقيدًا بالنسبة لإسرائيل أن الرأي العام العربي في أعقاب ثورات التحول الديمقراطي سيبدي اهتمامًا كبيرًا بما تقوم به إسرائيل وسيضغط على النخب الحاكمة في العالم العربي للتحرك ضد إسرائيل، من هنا فإنه من الواضح أنه ليس من مصلحة إسرائيل أن يسقط عدد كبير من المدنيين جراء الحملة القادمة، لذا فإنّ هناك من النخب العسكرية من تدعو بشكل صريح إلى إجلاء المدنيين لفلسطينيين في كل منطقة يتم فيها شنّ عمل عسكري وذلك لتقليص الأضرار، وذلك لكي تتم الحملة في أقل قدرٍ من الممانعة الدولية والإقليمية.
قصارَى القول، الكثير من الأوساط القيادية في إسرائيل باتت ترَى أن شنّ حملة عسكرية على قطاع غزة أمر لا مفر منه.