مطلوب أبناء حلال

نشر 10 ديسمبر 2011 | 11:00

ذات ليلة عيد وصلتني منها رسالة رقيقة برقة روحها تعايدني وأخذنا الكلام، فاعتذرت أنّها ربما أزعجتني وأخذت من وقت العائلة، فأخبرتها أنّ العائلة في زيارة وأنا برفقة كتاب، لأنّي لا أحب كثرة الاجتماعيات، ردّت بحسرة: ولكني أحبها جدا، ومؤخرا أصبحت أمتنع عنها وأتجنبها! لماذا التغيير سألتها؟ قالت: أصبحت أكره كثرة الأسئلة وبالذات ما يتعلّق بالخطبة والزواج والعرسان، التي تجعلني أشعر أنّي في مشكلة عويصة وأنّي لا أساوي شيئا في ميزان الدنيا والبشر حتى أرتبط!
 

صعقت لحديثها، ففيها كل الأوصاف التي أوصى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعلها ترغّب إلى نكاح المرأة من جمال ونسب ومال ودين وهي مع ذلك صاحبة فكر وقلم ورؤية ومبادرة تقتحم غمار الحياة ولا تكتفي بدور المراقب الهامشي. نقمت ساعتها على الشباب وقلت في نفسي: الناس بطّلت تشوف! ثم تذكّرت أنّي أعرف مثلها وفي مثل صفاتها ما يزيد على 40 فتاة في آخر العشرينات من العمر يجعلهن المجتمع يشعرن بالذنب وكأنهن السبب في تأخر زواجهن!
 

قلت لها: لعلك ترفعين السقف؟! فقالت: وهل طلبي أن يكون ابن حلال أجد فيه نفسي وكمالي يزيدني وأزيده ويعينني وأعينه من سابع المستحيلات؟!


حزنت على كثير من الفتيات، فمعظمهن يقبلن بابن الحلال فعلا، ولكن ابن الحلال في زمننا تغيّر عن ابن الحلال في سالف العصر، وقد تتوفّر الخامات الأساسية في ابن الحلال، ولكن الظروف المحيطة وقلة ذات اليد تجعل ابن الحلال موقوفا ومعلّقا مثله مثل الفتاة إلى حين ميسرة، وإن كانت المدة الزمنية تؤثّر في الفتاة أكثر منها في الشاب.


هي عاملة ومنجزة ولديها اهتماماتها ونشاطاتها التي تشغل أكثر من 24 ساعة يوميا ككثيرات ممن أعرف وليس لديهن مشكلة حتى لو لم يتزوجن إطلاقا، ولكني أرجو لهن شيئا من فرح وقرة عين لا تتأتّى إلاّ بالزواج الصالح والأمومة، هو شيء من الفطرة يمكن كبته إذا لم تتواجد سبل الحلال لتحقيقه، ولكن تحقيقه به سعادة لا تقوم الدنيا مقامها، فشهادات الدنيا ووظائفها ومناصبها لا توازي أن تجد امرأة رفيقا تكبر معه وتتوكأ على ساعده، معه ترى الشيب جدائل سوداء، وبه يستقيم عجزها وانحناء ظهرها، ويبقى آخر العمر غضا كأول لحظاته، وأولادا ينادونها ماما ترى امتداد عمرها فيهم، فيكون للعمر في ظلّهم معان وإنجازات قد لا تعلّق على الحائط أو يوقّع بإجازتها المختصون أو توضع خانة في سيرة ذاتية، ولكن أثرها هو الأدوم والأبقى والأحلى بعد ذهاب الألقاب والمناصب والقوة في خريف العمر.


قلت لصديقتي: يجب إذن أن نغيّر تعريف ابن الحلال وبنت الحلال، قالت: ومن سيصغي لنا؟ قلت لها: كلمة خير تؤتي أكلها عندما يشاء الله، عسى أن تقع على قلب يعقل وسمع يصغي وجسد يتحرّك بها. قالت لي: يريدون جمالا تلفزيونيا يخلب الألباب ويطرح المرء صريعا من أول نظرة! قلت لها: فعلا أولاد الحلال ملامون هنا وأمهاتهم من قبلهم، فالرسول قال: إذا نظر إليها سرّته وليس أبهرته أو سلبته لبّه، بل إنّ سيدنا أبا بكر أمر ابنه عبد الرحمن بتطليق زوجته التي شغلته عن أمر دينه وشغله لجمالها، وبواعث السرور في النفوس ليست كلّها حسية تعتمد على النظر، فالمنطق الجميل باعث على السرور، وطيبة القلب باعثة على السرور، والقيام بحق الزوج والبيت معيار للجمال، والذوق مع أهل الزوج كذلك جمال، وإعانة الرجل خارج المنزل جمال أيضا.
 

والأمر ينسحب على ابن الحلال، ولقد أخطأ الأقدمون عندما قالوا: "الرجل لا يعيبه إلاّ جيبه"، فالفقر الحقيقي فقر الدين والأخلاق، ولو كان المال يغني عن الرجال لما تزوجت بنات الملوك.
 

ولكن معظم أبناء الحلال يعانون من حالة الطفر الاقتصادي، وليس كل الأهل يستطيعون مساعدة أولادهم في زواجهم، فإذا استطاع الشاب أن يوفر أساسيات الحياة دون بهرجة وبذخ فارغين وكان المستقبل أمامه في العلم والعمل، فالدين مع ذلك كله مال ومهر واستثمار طويل الأمد، والأخلاق مال ومهر، والرفق والرقة والاحترام مال ومهر وغيرها الكثير، ولو حسبناها بالورقة والأرقام لوجدناها تعادل الألوف ولوجدنا أنّ ابن الحلال يساوي الكثير وأنّ من ترضى بابن الحلال مهرها غال وقدرها عال.
 

في ليلة العيد وبعد رسالة صديقتي تمنيت لو أنّ عندي 30، 40 ابنا وأخا من أولاد الحلال لأزوجهم من بنات الحلال وأحل مشكلة بسيطة في وسط مشكلة عامة لا ينفك نطاقها يتوسّع ومصائبها تزداد، فأين أنتم يا أولاد الحلال حتى لا تبقى بنات الحلال وحيدات في ليالي العيد، ولعل العيد القادم يشهد فرحة كبرى لأبناء وبنات الحلال.


أدام الله الفهم لمقاصده عنواننا، وشريعته سلوكنا، والفرح بقسمته نبراس حياتنا.


كل يوم وأنتم من أهل الفرح يا أهل الحلال.