الأمم: موت وانبعاث

نشر 08 ديسمبر 2011 | 08:57

مفهوم موت الأمم كان بالنسبة لي اكتشافاً مثيراً، وأدين لهذا المفهوم للمصدر الأول وهو القرآن الكريم حين يتحدث عن موت الأمم وليس الأفراد في الآية: "لكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستقدمون ساعة ولا يستأخرون"، والثاني لمالك بن نبي حين قرأت كتابه "ميلاد مجتمع"، وكيف أن أمماً كثيرة عبر التاريخ ماتت والتهمتها أمم جديدة صاعدة، فقد ابتلعت روما في طريقها المجتمع القرطاجني والغالي والفرعوني، ولولا ضربة شامبليون بإعادة الحياة للغة الهيروغليفية لما عرفنا شيئاً عن بقايا تلك الأمة من أهرامات ومسلات ونقوش تزينها. والآن ومن خلال علم الفيلولوجيا والكربون المشع، لدينا معلومات شبه أكيدة عن عمر الأهرامات، وعدد العائلات التي حكمت، والسلالات التي جاءت، والانقطاع التاريخي باحتلال الهكسوس مصر 150 سنة، وفيها جاء يوسف إلى مصر، ومنه كرر القرآن كلمة ملك ولم يكرر كلمة فرعون، حيث إن موسى جاء في الألف الثانية قبل الميلاد، بعد هذا الانقطاع، كما ذكر القرآن: "ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب".

 

شاهدي من هذا الاستطراد أن أقول إن الشعوب إذا وقعت في قبضة نظام شمولي استبدادي فمصيرها إلى الموت حسب قوانين الفيزياء والبيولوجيا، لكن ما حدث في العالم العربي يحكي قصة مختلفة. ومما يطمئنني على مصير سوريا، رغم شراسة "الحلف" الذي يواجه ثورتها، شاهد قوي من القرآن ومفاده أن ما يدفع الأمة على الحركة ويخرجها من رقدة العدم هو روح الله في الإنسان.

 

أعترف للقارئ أنني شخصياً كنت قد غسلت يدي من سوريا، وأنا من ولدت فيها وأحببتها وابتنيت لنفسي بيتاً جميلاً فيها عسى أن أرجع إليه بعد تقدم العمر، لكن مع كل غصة وحسرة من وطن لم يبق وطناً.

 

كل مرة كنت أدخل البلد أشعر أنني يجب أن أضع كرامتي على الحدود وعقلي في جيبي وأفتح كتاب النبات فأدرس وظائف النبات جيداً، أن أتحول إلى نبات!

 

أفهم الآن طبيعة الثورة السورية، وأنه لا يمكن خنقها ووأدها لأنها من روح الله الذي يعلم السر وأبقى ولا تنطفئ في قلب البشر روحه. لذا فالأمم تموت كما نرى، لكن مع هذا هناك حالات من اليقظة عجيبة بولادة روحية أخلاقية.

 

درس الثورة السورية كبير وكان يمكن أن يمضي بشكل مختلف، ولكن النظام أبى إلا أن يعمِّد ولادة هذا الطفل بعملية قيصرية نازفة.

 

الأهم، وهو ما يجعلنا نفهم موقف روسيا وإيران، أن الثورات لها فيروسات. خوف روسيا هو من انتقال ذلك الفيروس إلى بلاد القوقاز فتلتهب بحمى الثورة.

 

أما "حزب الله" و"حماس" وسواهما من حملة البارودة والطبنجة، فقد انتهى دورهم وجاء دور الشعوب التي ترفض الطاعة والانصياع للأنظمة. وقد جاء ذلك المفهوم في القرآن: "كلا لا تطعه". إن رفض الأوامر يعني كسرها وإنهاء السيطرة.

 

ليس عندي تفسير لتبني الشعوب العربية هذه الاستراتيجية. "قل إن ربي يقذف بالحق علامُ الغيوب". "قل جاء الحق وزهق الباطل"، "وما يبدئ الباطل وما يعيد".