يشكر للكاتب الصحفي الأستاذ ماهر أبو طير حرقته الدائمة على قضايا الوطن والمواطن، وقد كان لمقاله الأخير «الفضائح الأخلاقية في حدائق الملك عبد الله» وقع السياط على كل من بقي في نفسه شيء من النخوة والشرف والدين، ولعله استغاث بكل ما نجلّه ونعظّمه ليستفز في النفوس حركة أو موقفا أو حتى أضعف الإيمان استهجانا بالقلب فقال «بلد جنوبه الكعبة ومدينة رسول الله، وغربه الأقصى، وأرضه أرض الأنبياء والشهداء، يحاول كثيرون تدميره من الداخل، دينياً وأخلاقياً، من أجل تحطيم هويتنا، فنصير مجرد مجاميع سكّانية لاهية، لا تقيم لله كلمة، ولا تخجل. يتم تحميلنا وزر هذا السوء، وتلطيخ سمعة شعب محترم بأكمله، ونحن براء من هذا الوسخ، والطائع الساكت أسوأ من العاصي المجاهر بمعصيته».
لقد ظننا يا سيدي أن بلغنا قعر الهاوية يوم سمحت حكومة الرفاعي للأردنيات بالعمل في الملاهي والفنادق واستبشرنا بردة الفعل الشعبي المستنكرة التي لحقته، ولكننا نتفاجأ مرارا وتكرارا أنّ الوضع الأخلاقي في بلدنا من سيء لأسوأ، وأنّ الدعارة أصبحت علنية وأنّ أصحاب الرايات الحمر لم يعودوا يعملون في الخفاء بل على العلن وفي الملأ وفي أماكن التجمعات البشرية، هذا غير الدعارة المقنّعة وزيارة إلى بعض المولات المكتظة تجعلنا ندرك أنّ هناك بضائع يبحث عنها بعض الزبائن غير تلك المعروضة في المحلات للمشترين!
من يقرأ مقال أبو طير لا يظن أننا في الأردن بلد أهل العزم والهمة، البلد المتهم بكثرة جرائم الشرف! بل يظننا في لاس فيجاس ودول الملاهي، حيث الناس يتحرّكون بغرائزهم ولا يرون إلاّ ما بين بطونهم وأعضائهم السفلى!
من يقرأ المقال لا يظن أننا في الأردن بلد القانون والمؤسسات والتعديلات الدستورية والقضاء النزيه، بل في بلد بلا سلطة ولا زمام ولا حساب ولا عقاب، حيث يعيش الناس على أهوائهم في «حارة كل من إيدو إلو»!
من يقرأ المقال لا يظن أننا في الأردن الذي يصدّر الكفاءات الشرطية والعسكرية والمدربين للدول الشقيقة والصديقة لحفظ الأمن ونشر النظام! أم أنّ باب النجار مخلوع وزامر الحي مقطوعة زمارته؟!
من يقرأ المقال لا يظن أننا في الأردن بلد كان شعاره ذات يوم الإنسان أغلى ما نملك! فكيف أصبح الحال والإنسان، المرأة تحديدا، تبيع نفسها وتأكل بثدييها؟!
إلاّ أنّ الأستاذ أبو طير في استعراضه المؤلم لهذا المسلخ البشري المفتوح الذي تتصدّر النساء ذبائحه لم يذكر أننا نفاخر هذه الأيام بإصدار التقرير الوطني عن وضع وأحوال المرأة الأردنية والذي يحمل المضامين الأممية: المشاركة والعدالة والمساواة، ولا ندري أيهما غائب طوشة، الكاتب الجهبذ المطّلع أم المنظمات النسوية التي تزوّق وتنمّق وتحرّف الكلم عن مواضعه وتمنتج وتدبلج الصور والحكايات ليبقى الوجه مشرقا والأمن مستتبا، وأما القاذورات فيتم كنسها بعيدا عن الأعين والرقابة وليس إزالتها، فهي باقية لا تلبث أن تخرج إلى السطح مرة أخرى!
التقرير «العظيم» الذي احتفلنا بإطلاقه يعتبر ربة البيت والمرأة التي لا تعمل أو يُنفق عليها امرأة «مُعالة» أو ما يعرف ب «financially dependant»، وينتقد زيادة نسبتهن، والمرأة المُعالة في العرف النسوي والأممي من العالة وهي وصف يحمل كل الظلال السلبية وعدم الاستقلالية، ولكن التقرير يتعامى أن يندد بالمصيبة التي تنتشر عندنا في تجارة الرقيق الأبيض واللحم الرخيص والأسباب التي تؤدي بالنساء إلى سلوك هذه المسالك، فالدعارة في الغرب مثلا حيث تُطبّق وتنتشر المبادىء والمعاهدات الأممية والنظريات النسوية تُعتبر عملا تعيل به المرأة نفسها والخوف فقط من انتشار الأمراض!
نظل نطمئن أنفسنا ونقول الدنيا بخير وهؤلاء ليسوا إلاّ شرذمة قليلة وحوالينا ولا علينا حتى وصل البلل إلى الحدائق العامة وأمام الملأ وعلى عينك يا تاجر!
استبشرنا بالقاضي، فليس القاضي كغيره وإن كان في من سبق شيء من ضمير ميت أو جهالة فهذا لا يستوي مع صفات القاضي الذي يعرف أنّ القاضي العادل قريب من عرش الرحمن ويعرف عقوبة تفريط الراعي بحقوق الرعية ويعرف أنّ إقامة الحدود وتحصيل حقوق الناس خير من مطر ثلاثين يوما.
يروى أنّ امرأة عجوزا دخلت على سليمان القانوني وشكت له جنوده الذين سرقوا منها ماشيتها بينما كانت نائمة بمنزلها، فقال لها السلطان مؤنّبا: كان عليك أن تسهري على مواشيك ولا تنامي، فرمقته العجوز وأجابت على تأنيبه: ظننتك ساهرا علينا يا مولاي فنمت مطمئنة البال.
فأين أنت يا دولة القاضي من الحفاظ على الأخلاق ومحاربة الرذيلة، وهل ما خفي أعظم؟!
أما الرسالة لنا نحن الشعب، إن كان لنا قلوب حية وعيون تبصر وآذان تسمع، ففي تحذير رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما من قوم يُعمل فيهم بالمعاصي ثم يقدرون أن يغيّروا فلا يغيّروا إلاّ أوشك الله أن يعمهم بعقاب».