لقد كان التوبيخ الذي وجَّهه رئيس لجنة الخارجيَّة والأمن التابعة للكنيست شاءول موفاز لجهاز المخابرات الإسرائيليَّة الداخليَّة "الشاباك" لافتًا بشكل خاص؛ حيث انتقد موفاز علنًا تدني قدرة "الشاباك" على جمع المعلومات الاستخباريَّة حول قطاع غزة، ولقد كان من الواضح أن ملاحظات موفاز كانت مرتبطة بصفقة تبادل الأسرى مع حركة حماس، والتي حمل الكثيرون في إسرائيل "الشاباك" جزءًا من المسئوليَّة عن اضطرار إسرائيل لتنفيذها على هذا النحو، على اعتبار أن "الشاباك" لم يتمكن، وعلى مدى أكثر من خمس سنوات من الحصول على معلومات استخباريَّة حول مكان احتجاز شاليط، مما جعل من المتعذَّر على قيادة الجيش تقديم مخطط ميداني لتحرير الجندي، مما قلَّص الخيارات المتاحة أمام المستوى السياسي، وحصرها في خيارين لا ثالث لهما؛ فإما التسليم ببقاء شاليط في الأسر، مع كل ما يترتب على ذلك من مساس بما تعتبره إسرائيل "منظومة القيم" التي تربط الشباب الإسرائيلي بالجيش، والتسبب تبعًا لذلك في تدني مستويات الدافعيَّة للتجند للوحدات المقاتلة لدى الشباب الصهيوني؛ وإما الاضطرار للتوافق مع المقاومة الفلسطينيَّة حول شروط أخرى لإنهاء الأزمة، وهذا ما كان في النهاية، ومما لا شك فيه أن قوَّة الردع الإسرائيليَّة قد تضرَّرت كثيرًا في أعقاب تنفيذ الصفقة، حيث إن إسرائيل اضطرَّت للتراجع عما كانت تعتبره خطوطًا حمراء بالنسبة لها، مثل: الإفراج عن أسرى فلسطينيين أدانتهم محاكم الاحتلال بقتل عدد كبير من جنود الاحتلال ومستوطنيه، علاوةً على الإفراج عن أسرى من القدس ومن فلسطينيي 48.
أولوية المصادر البشريَّة
تمثل المعلومة الاستخباريَّة إحدى مركبات العقيدة الأمنيَّة الإسرائيليَّة الهامَّة، فالحصول على المعلومات الاستخباريَّة اللازمة يعني تقليص الإمكانيَّات الماديَّة المطلوبة لشنّ الحروب وتنفيذ الحملات العسكريَّة والعمليَّات الخاصة، فضلًا عن أنها تسهم في تقليص المخاطر التي تحدق بالجنود الصهاينة أثناء تنفيذ العمليَّات العسكريَّة، من هنا، فقد جاء استثمار إسرائيل الهائل في مجال جمع المعلومات الاستخباريَّة والإصرار على تحقيق ذلك بمختلف السبل وبشتى الوسائل.
وقد جاء التوسع في الاستثمار في مجال جمع المعلومات عبر المصادر الإلكترونيَّة والمصادر البشريَّة، وإن كانت إسرائيل قد قطعت شوطًا في توظيف التقنيات المتقدمة في دفع التجسس الإلكتروني قدمًا، لكن مما لا شك فيه أن المصادر البشريَّة تظلّ المصادر ذات المصداقيَّة العالية، سيما عندما تتمكَّن المخابرات من اختراق حركات المقاومة ومعرفة ما يدور داخل مؤسساتها المختلفة عن طريق عملاء يتمّ زرعهم بهدوء.
أولويات وضرورات استخباريَّة
إن هناك ثلاث أولويات لإسرائيل في قطاع غزة تتطلب من إسرائيل استعدادًا استخباريًّا على نحو خاص، وهي:
أولًا: إمكانيَّة شنّ حملة عسكريَّة على قطاع غزة، للقضاء على القدرات العسكريَّة لحركات المقاومة ولاستعادة قوة الردع الإسرائيليَّة في أعقاب تنفيذ صفقة تبادل الأسرى. بكل تأكيد، إسرائيل ستبرِّر شنّ مثل هذه الحملة بتواصل إطلاق الصواريخ من قطاع غزة على إسرائيل، لكن هذا مجرد ذريعة لتسويغ شنّ الحملة، يدرك كل من المستوى السياسي والعسكري في إسرائيل عبر الحرب الأخيرة على قطاع غزة التي شنَّتها إسرائيل على القطاع أواخر عام 2008، وهي تعي أن أي حملة عسكريَّة على قطاع غزة يجب أن تكون قصيرة جدًّا، ودقيقة، تتجنب المساس بالمدنيين، حتى لا يحدث مزيد من التآكل في مكانة إسرائيل الدوليَّة، وهذا يتطلَّب تركيز الضربات على حركات المقاومة، وتحديدًا ضدّ حركة حماس وقادة جناحها العسكري "كتائب عزّ الدين القسَّام" وهذا بدوره يتطلَّب الحصول على معلومات استخباريَّة دقيقة تمكِّن الجيش الإسرائيلي من تنفيذ هذا الهدف.
ثانيًا: الإحاطة بمستوى وحجم عمليات تهريب السلاح إلى قطاع غزة، حيث إن إسرائيل تخشى أن تنجح حركات المقاومة الفلسطينيَّة في تهريب سلاح يكسر ميزان القوى القائم حاليًا بينه وبين المقاومة، بالطبع تحاول إسرائيل في كثير من الأحيان تضخيم قدرات المقاومة عبر الحديث عن نجاحها في تهريب أسلحة ما، لكن هذا التضخيم يأتي فقط من أجل تبرير شنّ العمليات العسكريَّة ضدّ المقاومة. وللأسف، فإن الذي يمكِّن إسرائيل من توظيف النجاح في ذلك، هو أداء بعض الفصائل الفلسطينيَّة الإعلامي التي يتطوع المتحدثون باسمها للحديث عن قدرات كبيرة للمقاومة، لكن في المقابل، فإن إسرائيل، وإن كانت تحاول التضخيم من أجل التوظيف المعدّ له سلفًا، فإنها معنيَّة بالحصول على معلومات استخباريَّة دقيقة حول كل ما يدخل القطاع من سلاح، من أجل التحوُّط له، وأخذ الاستعدادات اللازمة، فعلى سبيل المثال قرَّر الجيش ألا تقوم الطائرات الحربيَّة الإسرائيليَّة بالطيران بالقرب من الحدود مع مصر، ذلك بعد أن وصلت معلومات حول وجود مضادات للطائرات بإمكانها المساس بهذه الطائرات.
ثالثا: إن إسرائيل معنيَّة بمعرفة خيارات فصائل المقاومة السياسيَّة، لأن هذه الخيارات تعطي تصوُّرًا حول الخيارات العسكريَّة المتاحة لها، فعلى سبيل المثال، تبذل إسرائيل جهودًا كبيرة لمعرفة توجهات حركات حماس نحو المصالحة ودوافعها، وتصوّرها لتأثير الربيع العربي على مستقبلها، من هنا، فإن المخابرات الإسرائيليَّة تبذل جهودًا من أجل الإحاطة بالجدل الذي يدور في المستويات القياديَّة للحركة.