نحن العرب على الأغلب نملك ثقافة حميمية مقارنة مع الآخرين، وإن كان اعترانا بعض الجمود والبرود مؤخرا مع تغيّر ظروف الحياة، فنحن عادة نلقي السلام على الطير الطاير ونسأل عن أحوال الجد السابع والحفيد السابع، وينقضي جزء لا بأس به من لقاءاتنا ومكالماتنا في التحية والاطمئنان على الأحوال، إلاّ أنّ هذه أصبحت من باب المجاملات التي قد لا تحمل وراءها اهتماما حقيقيا وحرصا صادقا!
ولكن يظل هناك دائرة لا يصلها برد الشتاء ولا هَم نهاية الراتب آخر الشهر ولا يغيّرها طول الأيام أو قصرها أو غياب الوجوه أو تواجد الأجساد..ألا وهي دائرة الأخوة في الله، ويا حسرة من لم يذق طعم الأخوة في الله..
قابلت أختا لي ذات يوم وقد جمعني بها سابق عهد من محبة وعمل، ثم فرّقتنا الأيام ولكنّي كنت كلّما لقيتها أحسست بأنّ كلها يبتسم لرؤيتي وليس فقط ثغرها، وكل كيانها يستقبلني وإذا صافحتها أحسست بمرجل من الحرارة يغلي داخلها إلى أن كان ذلك اليوم..
رأيتها فصافحتني كعادتها ثم أمسكت بيدي وقرّبتها إلى قلبها فسَرَت فيّ قشعريرة أطلقت بداية غرغرة دمعة في عيني وهزّني الموقف من أول رأسي إلى أخمص قدمي وهزّتني الرسالة التي لم تكلّف شيئا ولكنّها عنت لي الكثير، فصلّيت على رسول الله وقلت: صدقت يا حبيب أوثق عرى الإيمان أن تحب في الله.
كان موقفا افترقنا بعده كأيّ لقاء يكون بعده فراق، وقد تمرّ أشهر دون أن أراها ولكنّ حلاوة الموقف ستتجدد كلّما لقيتها.
ويبقى التساؤل:
كم نبذل من أنفسنا لغيرنا من البسيط الذي نستطيعه من تحية أو بسمة أو كلمة طيبة قد يكون من يتلقّاها بحاجة إليها كحاجته للماء والغذاء والهواء.
لماذا أصبحنا بخلاء حتى على مستوى الشعور ونسينا أنّ في البسمة صدقة وفي الكلمة الطيبة صدقة ونحن نترك معظمها باختيارنا وكامل إرادتنا.
كان الرسول صلى الله عليه وسلم يجد وقتا لكل صحابته على كثرتهم ويعطي كلا حقه حتى كان كل واحد منهم يظن أنّه الأحب إلى قلبه.
نعم نحن بحاجة إلى صالح الأخوان فهم زينة في الرخاء وعدة في البلاء وضمان في الآخرة، إذ قال عليه السلام: «استكثروا من الإخوان الصالحين فإنّ لكل مؤمن شفاعة لعلك تكون في شفاعة أخيك.»
كان سلاما مؤثّرا ومصافحة ذات معنى والشيء بالشيء يذكر، فتذكرت لماذا حرّم الرسول صلى الله عليه وسلم المصافحة بين الرجال والنساء من غير المحارم، لأنّ حرارة السلام والمصافحة تنتقل من اليد إلى القلب والجسد فيشتعل بها اشتعال النار في الهشيم، وإذا لم يستطع المرء إطفاء ناره بعقله أو بلوغ مراده، اشتغل القلب بغير ما أراد الله له وانحرف عن مسار فطرته، وقلب المؤمن كعبة الله والمعبود لا يرضى بمزاحمة الأصنام..
الحمد لله على نعمة الإسلام وكفى بها نعمة.