كيف يتغير الإنسان بامتلاكه القوة من كائن طيب إلى شيطان مريد؟
في قصة فرار بن علي من تونس بعد جلوسه فوق رقاب العباد ربع قرن كمظهر لعلاقات القوة بين البشر، أو بكلمة أدق علاقات السيطرة والانصياع، وكيف يمكن لفرد أن يتحكم في رقبة أمة تعدادها ملايين… هناك ما يشبه السر المغلق الذي يجب فتحه وكسر مغاليقه! لعل الخلاصة التي خرجت بها تجربة "ستانفورد" تدعو للخوف، إذ أشارت إلى أنها "ظاهرة" تتخلل كل المستويات والشرائح الاجتماعية. إن القوة نادراً ما تظهر على شكلها العاري كما يصف ذلك الفيلسوف "برتراند راسل"، ولا تحتاج أن تظهر على شكل سجن وسجَّانين وهراوات وقضبان؛ بل على شكل ألوان وملابس وشارات. فبين "مساعد" في الجيش و"لواء" يقوده تهتز الأرض تحته، مجرد شارات على الكتف. ولون المعطف الأزرق لعمال الخدمات يكتب مكانة صاحبها أمام أصحاب المعاطف البيضاء من الأطباء.
هكذا تبدو تمظهرات القوة وفي كل مجال ومكان. والواقع أننا نحن البشر محكومون بعلاقات القوة من المهد إلى اللحد. وهذه المشكلة دفعت الدكتور زيمباردو لمحاولة فهم ظاهرة الطغيان الإنساني؛ هل هي إفراز للوسط الاجتماعي، أم تابعة للأخلاق الفردية، أم نتيجة لجينات وراثية عند كل منا؟ قام زيمباردو بتجربة "ستانفورد" الشهيرة، والتي نشرت نتائجها مجلة "در شبيجل" الألمانية (العدد 11 2001) لفهم سيكولوجية "السيطرة والانصياع"، وكيف يتغير الإنسان عندما يضع يده على مفاتيح القوة.
اختار زيمباردو 24 متطوعاً من أصل 75 درسهم في اختبارات الذكاء حيث ظهروا أناساً عاديين أسوياء، ثم قسمهم إلى مجموعتين على نحو عشوائي فأصبح فريق منهم "مسجونين" والفريق الثاني سجَّانين. وقد ارتدى الفريق الأخير ملابس الشرطة ونظاراتهم السوداء فكانوا يوحون بأنهم شرطة حقيقية، معهم كل الصلاحيات، وفي أيديهم الهراوات مع رزمة المفاتيح، وكاميرات الفيديو تراقب مع مسجل صوتي في كل زنزانة.
في اللحظات الأولى لوصول السجناء، تم نزع ملابسهم ومسح أسمائهم، حيث تحول كل واحد إلى رقم، وبالبودرة والحمام تم تنظيفهم من القمل ولبسوا ملابس العنابر القطنية الطويلة المهترئة، وفي أقدامهم وضعت السلاسل. أما أغطية الرأس فكانت جوارب نسائية. وكان من المفترض أن تستمر التجربة 14 يوماً، لكن الوسط تحول إلى جو إرهابي خلال ثلاثة أيام، وفي اليوم السادس دق ناقوس الخطر، واضطر (زيمباردو) أن يوقف التجربة تحت ضغط زميلته في العمل باعتبار أنه لا يمكن تبريره أخلاقياً باسم التجارب العلمية؛ فقد تحول من طبيب إلى مدير سجن.
أما السجانون فوصل بهم الأمر درجة حرمان المعتقلين من قضاء حاجاتهم الإنسانية، فأصبحوا بين من انهار أو اقترب من حافة الجنون، ومن حمل بمحفة إلى المستشفى بحالة إسعافية.
كان كل من الجلاد والضحية مريضين على نحو ما بين الذل والتجبر واحتقار النفس وجنون العظمة.
والنتيجة المفزعة التي خرج بها (زيمباردو) أن ما يحكم ليس الأخلاق الفردية، بل الوسط الاجتماعي، عندما تحين الفرصة للتحكم بالآخرين!