نرى هذا المشهد كثيراً..ما أن تطأ أقدام المتضامنين أرض غزة حتى يذرفوا الدموع غزيرةً، وهم لا يصدقون أنفسهم أنهم حققوا حلم حياتهم بزيارة فلسطين وتقبيل ثراها وتنسم هوائها..نحن الذين ولدنا وعشنا في غزة وربما لم يخرج أكثرنا منها مرةً واحدةً نجد صعوبةً في فهم هذه الجاذبية القوية لفلسطين وغزة في القلوب ، وما هو السر الذي يجعل أفئدة الناس تهوي إلينا بينما نحن لا نزيد عن كتلة بشرية مليئة بالأخطاء وأوجه القصور..
لا تتوقف جاذبية فلسطين للناس على ترابها بل تجدهم يكنون حباً وتقديراً عميقاً لشعبها لا يكنونه لشعب آخر، فإذا وصف أحدهم حالنا فإنه يضفي علينا صفات أقرب للقداسة حتى إنه يكاد مع الأسف يخرجنا من دائرة بشريتنا إلى مصاف الملائكة..سمعت واحداً من الجالية العربية في ألمانيا يقول إن فتيةً أتراكاً سألوه عن أهل غزة هل هم من البشر أم من الملائكة..
هذا السؤال المغالي في الإطراء خارج حدود المعقول يدلل على أي حد وصلت نظرة الشعوب إلينا بأننا أهل الثبات والجهاد.
قلت لمتضامن أردني حين سمعته يضفي آيات الإعجاب والثناء على غزة وأهلها: مع كل تقديرنا لهذا الشعور النبيل إلا أنني لا أريد أن تعيشوا في وهم عن حالنا حتى لا تصدمكم الحقيقة إذا تبدت لكم عيوبنا وأخطاؤنا..لو كنتم تعلمون من عيوبنا ما نعلم لتغيرت نظرتكم إلينا، ولكن الله بلطفه ورحمته أظهر لكم الجميل وأخفى عنكم القبيح..نحن بشر يصيبنا ما يصيبكم من ضعف وقصور وفتور وحب للدنيا وغلبة للهوى.. لسنا خيراً من الصحابة الذين كشف القرآن عن مكنون نفوس فريق منهم حين قال:"منكم من يريد الدنيا".
أجابني هذا الرجل:إنكم تعيشون في التفاصيل فترون أخطاءكم العادية كبيرةً، ولو نظرتم إلى أنفسكم من الزاوية التي ننظر إليكم بها لرأيتم ما نراه..أخطاؤكم تغتفر بجانب جهادكم ورباطكم وثباتكم، ولو قارنتم بين أحوالكم وأحوال الشعوب الأخرى لأدركتم قيمة أنفسكم..
لم أسق هذه الأمثال لتسكر أنفسنا في خمر المدح والثناء، ولنصاب بالعجب والغرور، بل لننتبه كيف يظن إخواننا من العرب والمسلمين وأحرار العالم بنا، فنرفع مستوى حساسيتنا تجاه أخطائنا..إن هذا الظن الذي يظن بنا يضاعف من المسئولية الملقاة على عاتقنا حتى نكون عند حسن الظن بنا..
هذه الصورة التي ترسمها الشعوب عن أهل غزة يجب أن تستفزنا لنرتقي بأنفسنا حتى نكون أهلاً لها..إذا اعترى أحدنا شيء مما يعتري البشر من فتور همة وغلبة هوى وجب عليه أن يتذكر أي أمل علقته الأمة عليه، وأي دور منتظر منه فينفض عنه غبار الكسل والراحة ويهب إلى العمل والجد.
إن هذا الثناء والإعجاب الذي تكيله الأمة لنا جدير بأن يبعث في نفوسنا الحياء فنراقب أفعالنا وسرائرنا ونطهر أنفسنا فلا نرضى لها أن تكون مثل الآخرين الذين يعيشون حياة الرفاهية والنعيم والبذخ، بل يكون لنا طريقتنا الخاصة من حياة البذل والعطاء والجهاد والتضحية..
إذا أردت أن تعرف عند الله مقامك فانظر فيم أقامك، وقد أقامنا الله في ثغر غزة المتقدم ورفع لنا ذكرنا في أمتنا، وهي نعمة تستحق الشكر، لكنها ابتلاء في الوقت ذاته لأنها تجعلنا في دائرة الضوء وتجعلنا صفحةً مكشوفةً أمام العالم فلا نكون أحراراً في اللهو واللعب والعبث..
إنكم يا أهل غزة تستطيعون أن تقوموا بدور عالمي في إحياء روح الأمة وبث قيم البذل والعطاء في نفوس أبنائها فكلمتكم مسموعة والناس يظنون بكم خيراً فلا تضيعوا هذه الثقة، فهي أمانة قد ائتمنكم الله عليها..
لقد هيأ الله لنا فرصةً لا يدركها أي أحد لمضاعفة الأجور، ولننال أجر السابقين السابقين، فغزة اليوم بفضل الله ومنته في موقع الريادة يقتدي بها العالم، فكما أن جهاد غزة كان سبباً رئيساً في إلهام الشعوب روح الثورة، فإن نجاح غزة في ميدان صناعة الحياة سيكون مثالاً تقتدي به الأمة أيضاً، فشمروا لهذه المهمة العظيمة.
وأخيراً ندعو فنقول: اللهم اجعلنا خيراً مما يظنون واغفر لنا ما لا يعلمون.