طلع البدر علينا ولن يأفل

نشر 26 نوفمبر 2011 | 10:40

إنّ من عظم هذا الدين إمكانية القراءة المتجددة لنصوصه باختلاف الزمان والمكان، وإمكانية انبعاث الأولين في الآخرين في مقام القدوة، وإمكانية تكرر التاريخ والسنن ليصلح آخر هذه الأمة بما صلح به أولها.

 

وهجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم تضيء علينا بأنوار مختلفة في الربيع العربي، فنرى حلم الدولة الإسلامية، بعد سنين بلغت بالمسلمين الأوائل كل مبلغ حتى ذهبوا إلى رسول الله يقولون "ألا تدعو لنا ألا تستنصر لنا"، قد أصبح حقيقة وواقعا عزيزا وأثمر غرس 13 سنة من تضحيات دولة الإسلام التي انتشرت حتى حدود الصين وفرنسا، وحتى بعد أن سقطت الدولة ظلّت دعوة الإسلام قائمة فبلغت ما بلغه الليل والنهار وما تركت حاضرة ولا بادية إلاّ ودخلتها بعزّ عزيز أو ذل ذليل.

 

ثلاث عشرة سنة حتى قامت الدولة وأثمر التغيير مع أنّ القائد كان مؤيَّدا من الله الذي أمره بين الكاف والنون، فكيف بنا ونحن بشر، إن أصبنا فبتوفيق الله وإن أخطأنا فمن أنفسنا نريد أن نقيم دولة الإسلام في يوم ويومين من غير اكتمال العدة البشرية وعدة القوة.

"ولكنكم تستعجلون"، قالها لنا رسول الله، كنّا نستعجل الخلاص من الظلم قبل أن نعد لذلك الأسباب، وبعد أن أخرجنا الوهن من قلوبنا نريد أن نقلب الدنيا رأسا على عقب، والناس لم تجهز بعد لتقوم دولة الإسلام في قلوبها قبل أن تقوم على أراضيها، لقد أعطانا الناس ثقتهم وأصواتهم ولكن من يعطيك صوته قد لا يعطيك ساعده للبناء ولا فكره للاجتهاد ولا دمه للتضحية، ولكن الواجب توسيع دائرة القبول لتشمل الجميع، من يجلسون على الحياد دون عداء ومن ينصرون بصمت ومن يعارضون ويجادلون ومن يعملون ويبذلون، فالبناء يقوم على قواعد وأعمدة وخرسانة ليست كلها بنفس الأهمية ولكن اجتماعها معا يشكّل قوة منيعة تصمد لكثير من السنين والابتلاءات.

 

الهجرة وإقامة الدولة الإسلامية كانت نهاية مرحلة التربية والإعداد واستفتاح مرحلة التمكين والبناء، وحتى المبغضون يومها كانوا يعرفون لرجالات الإسلام قدرهم فعرفوا نبيهم بالصدق والأمانة، وخبروا من صحابته جلدا وصبرا وقوة كالجبال لم تزعزعهم عنه صنوف العذابات التي لاقوها.

 

قبل الهجرة أعدّ المصطفى جيل الهجرة الذي استحق النصر، فكان أبو بكر الذي أنفق ماله افتداء للإسلام والمسلمين، وكان عمر الشديد دوما الثائر أبدا لحدود الله، وكان العالم الفقيه معاذ بن جبل، وكان صاحب الفداء علي، وكان الشباب والفتوة في عمار وبلال وجعفر، وكان العون من خديجة، والتضحية والمخاطرة والحنكة من أسماء، كل يعرف دوره في صناعة الحدث وكل في موقعه لا يتأخر عنه ولو كان ثمن البقاء والصمود أغلى ما يملك.

 

قبل الهجرة كان هناك عمل دؤوب وارتحال للدعوة وتنويع الخطاب مع قريش والطائف وغيرهم، وإقامة للتحالفات مع أهل المدينة، وكلما فشلت وسيلة جرّب الرسول وصحابته غيرها مع أنّهم يعرفون أنّهم أهل الحق وأنّ المشركين أهل باطل إلاّ أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم كثيرا ما ترك إثبات المواقف لأهداف أجلّ وغايات أعظم ليُعلّم المسلمين أنّ عدم مواجهة العواصف يكون أحيانا من الحكمة وحسن التدبير ليس جبنا أو خوفا، ولكن إعداد لكرّة أخرى يكون الفوز والنصر فيها مضمونا بإذن الله.

 

الهجرة والنصر والدولة وما لحقها لم يأت خبط عشواء ولا بالأمنيات، وإنّما بتخطيط منظّم وعمل ومراجعة، فلمّا جاءت الدولة كانت أركانها واضحة ومؤسساتها جاهزة للإقامة واحدة تلو الأخرى ووُضعت القوانين والمعاهدات الناظمة لمواطني الدولة وغيرهم.

 

إنّ في الهجرة كذلك معان متجددة للأفراد ولخاصة نفس كل منّا، أفهمنا إياها رسول الله فقال: "والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه"، وقال أيضا: "عبادة في الهرج كهجرة إليّ".

 

الهجرة وقفة مراجعة مع النفس وجردة حساب لا بد منها حتى نعرف ما كان وما سيكون بإذن الله، هي فرصة للتوبة التي يقبلها الله منّا برحمته الواسعة وتجديد للعهد وصدق الشاعر حين حذّرنا:

قطعت شهور العام لهوا وغفلة

                     ولم تحترم فيما أتيت المحرما

فلا رجبا وافت بحقه ولا

                     صمت شهر الصوم صوما متمما

ولا في ليالي عشر ذي الحجة الذي

                     قضى كنت قواما ولا كنت محرما

فهل لك أن تمحو الذنوب بعبرة

                     وتبكي عليها حسرة وتندما

وتستقبل العام الجديد بتوبة

                     لعلك أن تمحو بها ما تقدما

الأمل في عامنا هذا وأعوامنا القادمة أنّ ذكرى الهجرة لن تكون كسابقاتها، فالزمن دار دورته ودولة الإسلام الذي أرسله الله رحمة للعالمين عائدة بإذن الله.

 

كل عام وأنتم من أصحاب السبق والهجرة..