لا حدود لتوحّش الإنسان إذا ما توحّش أو استوحش! والقتل من أوحش صور توحّش الإنسان. والسحل أسوأ الأسوأ وأوحش الأوحش.
وليس السحل من بدع هذا العصر، أبي البدْع والبدَع! ولكنّه قديم قدم توحّش الإنسان، الذي ابتدأ بقتل ابن آدم لأخيه، والبشرية كلها في ذلك الوقت بضعة أنفار، بمعنى أنّ لكل فرد قارة بكاملها، فما ثم داع لنزاع أو خصام أو قتل أو قتال، فالأمور في سعة وبحبوحة.
والآن لا يسحل حاكم ثار عليه شعبه وقد تمكّنوا منه، أو يسحل خائن أمسكت به الجماهير. هذا متوقع وإن بشيء من الاستهجان والاستفظاع! أما الآن فتسحل شعوب بأكملها. فأن يحاول القذافي قتل مدينة مصراتة بكل من فيها، وحصارها، ومحاولة تسميم مائها، وأن يعمم هذا على باقي المدن مثل البريقة وراس لانوف والزنتان، وأن يحاول علي الصالح أن يجرّ اليمن الحكيم الذي مشى بالثورة في الخط السليم والمستقيم يحاول أن يورّطه في حرب أهلية لا تبقي ولا تذر ربما يصل ضحاياها لو سمح لها بالاندلاع، ربما يبلغون نصف مليون، كما في حرب اليمن الأولى بين الثوار ونظام الإمامة المزعومة!
وما يجري في سوريا ليس أقل عدواناً وفتكاً وبطشاً، ودعك الآن من شِبْه الإبادة لمدينة حماة في الثمانينيات، ولكن أن يقتل من حماة في جمعة الطفل أو الفتى حمزة الخطيب 53 شهيداً سوى مئات الجرحى الذين تركوا بلا إسعاف ليواجهوا الموت البطيء والقتل صبراً كما يقال في العربية (أو سحلاً)، وألاّ يسمح بالتبرع بالدم كما قال مواطن يهاتف الجزيرة، قال: لا نستطيع الاقتراب من الجرحى لأنّ من يقترب يعرّض نفسه للقتل على يد الشبيحة والقناصة. وأما التبرع بالدم فقد كانت المستشفيات في حالة نقص ذريع في كميات الدم، ولكن من يتبرّع يعرّض نفسه للاعتقال، ثم يقال أنّ المندسين يستغلّون تجمّع الناس لإطلاق النار، طيب، فمن كان يمنع إسعاف الجرحى؟ المندسون أيضاً؟ ومن هم إذاً المندسون؟
هذه الأنواع من القتل، هذه الفظاعات والشناعات الدالة على منتهى قسوة القلب، والتخلّص من أيّ رابط بالإنسانية أو مشاعر البشر، هذا القتل المباشر وبالتسبب أعدّه داخلاً في باب السحل. فليس السحل أن تربط مواطناً بسيارة أو عربة ثم تجرّه في الشارع حياً لتعذّبه حتى الموت، أو تجرّه ميتاً للتمثيل به ولتخيف به بقية الشعب، إنّي أعد هذا أنواعاً من السحل، بلا أدنى شك أو ريب.
والذي كان يدوس الناس بسيارته العسكرية الضخمة في القاهرة، جيئة وذهاباً ويخترق صفوف المتظاهرين بوحشية فيتساقط الناس مثل أوراق التين، أليست هذه الوحشية من صور السحل؟
وحمل الموتى في عربة الزبالة التي تفرم الأزبال وكأنّهم جزء من هذه القمامة (كما كان يحدث في سجن تدمر للموتى حتى الألفين، أليس كل هذا من صور السحل؟ بل هو ألعن وأمرّ من السحل!)
والآن ماذا في القواميس والمعجمات من معاني السحل؟
قال في لسان العرب في معنى الجذر اللغوي: سحل: «السَّحْل والسحيل: ثوب لا يبرم غزله، أيّ لا يفتل طاقتين، (بالعامي نقول: راقين)، سحله يسحله سحلاً. (نعوذ بالله.) يقال: سحلوه: أي لم يفتلوا سداه. (يفتلوا بالفاء لم نصل القاف بعد!) (والسَّدى: الخيط الطولي في النسيج كما أرى) (قال اللسان: السدى المعروف: خلاف لحمة الثوب. وأسدى بينهم حديثاً: نسجه.) (لم يعط اللسان من أسف تحديداً!)
وقال زهير: «على كل حال من سحيل ومبرم.»
وقيل: السحيل: الغزل الذي لم يبرم، فأما الثوب فإنّه لا يسمى سحيلاً، ولكن يقال للثوب سحْل (هذا لا علاقة له بالخصر الساحل موضة هذه الأيام أو هذه الأعوام التي صارت كالأعلام، أيّ العلامات المميزة.) والسحل والسحيل أيضاً: الحبل الذي على قوة واحدة.
والسحل: ثوب أبيض، وخص بعضهم به الثوب من القطن، وقيل: السحل ثوب أبيض رقيق، زاد الأزهري: من قطن، وجمع كل ذلك أسحال وسحول وسُحل. (وفعلاً فإنّ من سحلوه سينتهي به الأمر أن يلبسوه ثوباً أبيض رقيقاً من قطن قبل أن يودعوه الثرى يا ولداه..بعد الثراء والعز!) (وأين الثرى من الثرا؟) (على وزن أين الثريا من الثرى؟)
قال الجوهري: «السحيل: الخيط غير مفتول» (وأعتقد أنّ هذا هو خيط المعنى الأساسي، ومنه تفرّعت شجرة اللفظ من هذا الجذر، ومن هذا الخيط كان النسيج! فجاء الثوب «أبو طاقة» واحدة لا طاقين، وجاء مصطلح العصر الذي كان أول ما كان في العراق وقت ثورة عبد الكريم قاسم في تموز (58) حين سحلوا القيادة السابقة في الشوارع، وكانت سنّة سيئة سُنّت لا في العراق وحده وإنّما في أكثر من بلد، وقد حدّثني من أعدم عبد الكريم قاسم كيف تم إعدامه أيضاً، وقد عاصرت من زعماء العراق المقتولين لا أقل من ستة!)
ثم كرر اللسان فقال: والسحيل من الثياب: ما كان غزله طاقاً واحداً، والمبرم المفتول الغزل طاقين.
والمِتْآم: ما كان سَداه ولُحمته طاقين طاقين، ليس بمبرم ولا مسحل. والسحيل من الحبال: الذي يفتل فتلاً واحداً كما يفتل الخياط سلكه.
والمبرم: أن يجمع بين نسيجتين فتفتلا حبلاً واحداً، وقد سحلت الحبل فهو مسحول، ويقال مُسحل لأجل المبرم. وفي حديث معاوية: قال له عمرو بن مسعود: ما تسأل عمن سُحلت مريرته، أيّ جعل حبله المبرم سحيلاً، يريد استرخاء قوته بعد شدة. وأنشد أبو عمرو في السحيل:
فَتَلَ السحيل بمبرم ذي مرّة دون الرجال بفضل عقل راجح
(أيّ كأنّ العقل عوض عن العدد والرجال في «إبرام» الأمور)
وسحلت الحبل، وأسحلته، فهو مسحل، واللغة العالية: سحلته.»
قال الزمخشري في أساس البلاغة في معنى الجذر اللغوي سحل: «سحل الخشبة بالمسحل وهو المبرد، وهذه سُحالة الحديد، لبُرادته. وثوب سُحْل: أبيض، وثياب سُحول وسُحُل. وسحل الحمار سحيلاً وسحالاً وهو مسحل. واستاكت بالأسحِل وهو شجر (وأما سحل الحمار وسحيله فصوته الموسيقي الشجي! ولا أدري أهو سحيل أم مبرم وهو فيه كل هذه القوة؟ وهو أنكر الأصوات.)
ومن المجاز: سحلت الرياح الأرض: كشطت أدَمتها. وقعد بالساحل وهو ما يسحله الماء من شاطيء البحر، وساحل فلان: أتى الساحل. وخطيب مِسْحل. ولسان مسحل: جُعل كالمبرد. وركب فلان مسحله: إذا مضى على عزمه، وتقول: إذا ركب فلان مسحله، أعجز الأعشى ومسحله، أيّ إذا مضى في قريضه، والمسحل تابعة الأعشى. (كان العرب يعتقدون أنّ الشعر يلهمه للشاعر شيطان قرين للشاعر أو تابع له، ويقولون: شيطان الشعر، ويسمون لكل شاعر شيطاناً أو شيطانة يوحي إليه الشعر، ويبدو أنّ مسحل أو مسحلة اسم شيطان أو اسم شيطانة الأعشى، والأعشى بذاته شيطان من شياطين الشعر وشياطين الإنس!)
وقال رجل من بني يشكر:
لأقضين قضاء غير ذي جَنَف بالحق بين حُميد والطرمّاح
جرى الطرمّاح حتى دق مسحلُه وغودر العبد مقروناً بوضاح.
وطعن في مسحل الضلالة: صمم عليها وأصله: الفرس الجموح يعضّ على شكيمته ويمضي راكباً رأسه.» (والطرماح كما لا يخفى شاعر أموي إن لم أكن نسيت!)
والمسحلان: حلقتان في طرفي الشكيمة. وعن علي رضي الله عنه: «إنّ بني أمية لا يزالون يطعنون في مسحل ضلالة.» (ولا أظن هذا القول يصحّ لعلي رضي الله عنه، والله أعلم، فلا يقال إنّ بني عبد شمس، أو إنّ بني عبد الدار، ولا إنّ بني مخزوم، يفعلون كذا، فهذا التعميم على آل ليس من تفكيرنا ولا منهجنا كمسلمين يتحمّل كل إنسان مسؤولية نفسه. فإن أخطأ أحد من بني أمية لا نقول إنّ بني أمية..) (ونعود): وشاب مسحلُه: أيّ عارضه، استعير من مسحل اللجام. قال جندل:
عُلّقتها وقد نزا في مسحلي شيب وقد حاز الجَلا مرجّلي
وقال:
بلى إن تريْ شَمَطاً تفرّع لمتي وحنى قناتي وارتقى في مسحلي
وأخذ في سُورة كذا فسحلها كلها أيّ هذّها هذّا.» أ.هـ. من الأساس
قول الزمخشري: «المسحل: المبرد. وسُحالة الحديد: برادته. وسَحَلت الرياح الأرض.. وساحل البحر هو ما يسحله الماء من شاطيء البحر»
أقول: كل هذه المعاني فيها الحت والبرْد والنحت والأخذ من الشيء والتجريف. والسحل بالمعنى السياسي والأمني والفيزيولوجي، ليس من باب المجاز، وإنما هو من المعنى الحقيقي للفظ. فهو بمعنى ترك الأرض تأكل من جسم المسحول كما حصل في ولاية تكساس أن ربط رجل أبيض رجلاً أسود بسيارته «الفورويل» ثم سحبه حياً وترك الأرض تأكل لحمه وتسقطه كسفاً حتى فارق، وما ذاك كله إلاّ للون بشرته لا لجرم ولا لفكر.. إن كان البشر يقتلون لفكرهم أو لمذهبهم، أو على مال، أو على أرض يتنازعونها، لا لشيء من كل ذلك، وإنما لأنه من الملونين كما يصطلحون هم، وهذا في بلد يزعم أنّه في قمة الحضارة (وفي الحقيقة الحقارة)، وأنّه يعلّم الناس قيم التعايش والتسامح، وهذا في إفريقيا قارة الفقر والجهل والمرض والتخلّف كما يظن، لا يحدث مثله..)
وعلى ذكر السحل، يروى أنّ مختار قرية كان مفسداً كبيراً من المفسدين السوبر، وكان من أفضل هواياته أن يزرع الخلاف والشقاق بين الناس في القرية..قريته، ثم يسعى في الإصلاح ويحضّر الطعام (طعام الصلحة) ويحْضره علية القوم الكرام وفي طليعتهم حضرة المختار، فلما حضَرته الوفاة أبى حضْرته إلاّ أن يزرع الشقاق، فأوصى امرأته فقال: أنا رجل كثير الذنوب، ولا أظن الله يغفر لي إلاّ إذا سُحلت حتى يتساقط لحمي، فلعلّه مع تساقط لحمي تتساقط ذنوبي، فإذا خرجت الروح، فإنّي أوصيك أن تطلبي من إخوانك أن يربطوني بإحدى سياراتهم ويسحلوني حتى يتساقط لحمي، وفوجيء أقرباؤه بإخوان امرأة قريبهم يربطون جثته بواحدة من سياراتهم، فقالوا: ما الخطب؟ فقيل: هو طلب أن يسحل، فاشتعلت معركة بين الفريقين ولعلع الرصاص ووقع قتلى وجرحى بسبب وصية السحل العجيبة، وأبى المختار لهذه القرية إلاّ أن يكون مفسداً لا في حياته فحسب وإنما بعد مماته. فكان في هذا واحداً من نوادر الزمان! ويبدو أنّ السحل بقي منه بقية.