لقد فطنت إسرائيل منذ زمنٍ بعيد إلى حقيقة أن أي نهضة عربيَّة شاملة تمثل منطلقًا لتغيير موازين القوى القائمة حاليًا، والتي تميل لصالح إسرائيل، ترتبط أساسًا بحدوث تحول ديمقراطي حقيقي، يُفضي إلى ولادة أنظمة سياسيَّة تتبنى مشاريع نهضويَّة حقيقيَّة، ولقد أدركت إسرائيل أن حدوث التحولات الديمقراطيَّة في العالم العربي يتوقف بشكل أساسي على وجود طبقة وسطى سميكة ومؤثرة؛ لذا فقد سعت تل أبيب إلى أن تسهم سياساتها تجاه العالم العربي في تحطيم هذه الطبقة، إن أحد أهم الآليات التي اتبعتها إسرائيل لتحقيق هذا الهدف تمثل في تقليص الخيارات المتاحة أمام الطبقة الوسطى العربيَّة في كل ما يتعلق بهويتها الوطنيَّة وموقفها من إسرائيل، وقد أصبح أمام هذه الطبقة خياران لا ثالث لهما: فإما الانضمام للحركات الإسلاميَّة، وإما أن تكون جزءًا من البِنى المجتمعيَّة المرتبطة بأنظمة الحكم الديكتاتوريَّة، والتي تجد مصالحها في كل ما يضمن استقرار الأنظمة القائمة، لذا أبدت هذه البِنى حماسًا زائفًا للتسويات مع إسرائيل.
لقد ربطت إسرائيل الرسميَّة بين اندلاع ثورات التحول الديمقراطي والتحولات التي طرأت على فاعليَّة الطبقة الوسطى في بعض الدول العربيَّة.
من الواضح أن إسرائيل لا ترتاح إطلاقًا للحركات الإسلاميَّة وشعاراتها، لكنها في نفس الوقت تفضل أن يتمَّ تسليط الضوء على هذه الحركات، على اعتبار أنه في مواجهة هذه الحركات من السهل بناء تحالفات عريضة تقاومها وتحاربها، بحيث يلعب المكون "الوطني" ممثلًا بالأنظمة الحاكمة الدور الحاسم في هذه الحرب وتلك المقاومة، كما يسهم الغرب بدور مهم فيها، ففزاعة البديل الإسلامي تغري الأنظمة بالتصدي للحركات الإسلاميَّة، وذلك بغريزة الرغبة الجامحة في البقاء، كما أن طرح الحركات الإسلاميَّة رؤى عالميَّة لتغيير الواقع يحركها أشواق الماضي البعيد يثير الرعب لدى الغرب على وجه الخصوص، إن ما يثير فزع الإسرائيليين في كل ما يتعلق بدور الطبقة الوسطى في العالم العربي في ظلّ الثورات العربية، يتمثل في التالي:
أولًا: استيقاظ الطبقة الوسطى من سباتها العميق ودورها الحاسم في إنجاح أهم ثورتين في العالم العربي، وهما: الثورة التونسيَّة والثورة المصريَّة.
ثانيًا: الخوف من أن تسهم رياح الثورة العربيَّة في تقليص الفروق في طابع الأجندة التي ترفعها النخب الإسلاميَّة والعلمانيَّة في الوطن العربي، بحيث يتمَّ التوافق على برامج عمل تؤسس لولادة أنظمة سياسيَّة تحكمها قيم الديمقراطيَّة، تأخذ على عاتقها القيام بالمشاريع النهضويَّة، سيما من ذلك النوع الذي تحذره إسرائيل، في ظلّ أقل قدر من الرفض الدولي.
من هنا جاء السعي الإسرائيلي لشيطنة الثورات العربيَّة، والتشكيك في مآلاتها، في محاولة لإقناع العالم بأنه لا يمكن لهذه الثورات أن تفضي إلى ولادة أنظمة ديمقراطيَّة، على أمل أن تسهم ردة فعل القوى العالميَّة في نزع الشرعيَّة عن هذه الثورات، أو على الأقل التحرك بشكلٍ علني وخفي لفرض قيود عليها.
إن أحد أبرز مظاهر التشكيك في الثورات العربيَّة قد تمثل في حرص المستويات الإسرائيليَّة الحاكمة والنخب المرتبطة بها على وصف ثورات التحول الديمقراطي في العالم العربي بـ "الانقلاب" (هافيخا)، وليس ثورة (مأبيخا)، ويمكن رصد عناوين الكثير من المقالات التي حملت العنوان التالي: "انقلاب وليس ثورة".
واللافت أن مرامي النخب الإسرائيليَّة الحاكمة من التحذير من وصول الإسلاميين للحكم لم تنطلِ على بعض النخب الإسرائيليَّة ذات التعاطي الموضوعي التي اعتبرت أن تحذيرات نتنياهو وملاحظاته إزاء الدور المستقبلي للإسلاميين تنطوي على تعاطٍ عنصري يهدف إلى نزع الشرعية عن حق المواطن العربي في لعب دور في تصميم السياسات العامَّة لبلاده.
وهذا بالضبط ما دفع الكاتب الإسرائيلي تسفي بارئيل لأن يشير إلى أن تشديد الطبقة الحاكمة في تل أبيب والنخب المرتبطة بها على أن الثورات العربيَّة ستنتهي بسيطرة الإسلاميين يهدف بشكلٍ أساسي إلى بلورة انطباع مفاده أن العرب لا يستحقون الديمقراطيَّة، ويشير إلى أن أي نظام حكم ديمقراطي نيابي سيسمح حتمًا لكل القوى الاجتماعيَّة بالتعبير عن نفسها، وضمن ذلك القوى المتدينة، مستذكرًا حقيقة أن الإدارة الأمريكية السابقة كانت مرتبطة بشكل كبير بالأصوليين البروتستانت، الذين هم في نفس الوقت أوثق حلفاء إسرائيل في الولايات المتحدة.
ولقد كان هناك في إسرائيل من دعا النخب الحاكمة إلى استخلاص الاستنتاجات الموضوعية مما حدث في مصر، بدلًا من إثارة المخاوف من وصول الإسلاميين للحكم، وعلى رأس هذه الاستنتاجات التسليم بأن الجمهور العربي لم يعدْ مستعدًا لمنح ثقة غير محدودة لقيادته على المستوى الحزبي، الاقتصادي أو السياسي، حيث أن هذا جمهور يرى نفسه متساوي القيمة -وإن لم يكن متساوي القوة- مع الجمهور في الدول الغربيَّة.
ويشدّد الكاتب الإسرائيلي حجاي إلعاد على أن التحذير الإسرائيلي من إمكانيَّة وصول الإسلاميين للحكم، والزعم بأن العرب سيتجهون حتمًا للدكتاتوريَّة ينطوي على أبعاد عنصريَّة، ويرى إلعاد أن لسان حال النخب الحاكمة والمعلِّقين في إسرائيل، وتحديدًا المستشرقين يقول: "الديمقراطيَّة كبيرة على العرب"، فالإسرائيليون -في نظره- لا يريدون أن يسلموا بأن العرب يقدرون على إدارة شئونهم بشكلٍ ديمقراطي".
ويتضح مما تقدم إن إسرائيل تخشى مآلات التحول الديمقراطي في العالم العربي، وهو ما يفسّر السعي الإسرائيلي لشيطنة الثورات العربيَّة عبر طرح فزاعة الإسلاميين.