لذة الحرية تحمي الثورة

نشر 20 نوفمبر 2011 | 08:11

حديث ما بعد الثورة في العواصم العربية يختلف عن حديث الثورة أو عن أحاديث ما قبل الثورة . ما قبل الثورة يتحدث الشعب عن الظلم والقهر ، وعن الحرية والديمقراطية ، ويطالبون بالإصلاح ، ويقفون خلف المضحين والمطهدين والمعتقلين ، وينتظرون قيام الثورة من أجل التغيير.

 

وحديث الثورة تجسده الشعارات الكبيرة (الشعب يريد إسقاط النظام) و(ارحل) و(الموت ولا المذلة)، و(الشعب يريد إعدام الرئيس)، وغالباً من يصبغ هذه الشعارات بالدم الأحمر القاني ، هكذا كان الأمر في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا ، غير أن الأحمر القاني في ليبيا وسوريا تجاوز المدى ، وفاق التخيل ، وحالة اليمن تقف في الوسط ، ولكنها تتجاوز ثورة اللوتس في مصر ، وثورة الياسمين في تونس.

 

حديث الثورة يتوقف أو قل يتغير بعد نجاح الثورة وسقوط النظام كما في مصر وتونس وليبيا ، غير أن سقوط النظام شيء ونجاح الثورة في تحقيق أهدافها شيء آخر ، لذا يتشكل الحديث بعد الثورة عن حماية الثورة من الإجهاض أو الاحتواء أو الانحراف ويتركز على حمايتها من خلال تحقيق أهدافها ومواجهة المتآمرين عليها.

 

أو من أمس الجمعة خرجت في مصر مسيرة مليونية تقودها الحركة الإسلامية بتياراتها المتعددة إضافة إلى 50 حزباً وجماعة مشاركة نادوا جميعهم للانتقال إلى الحكومة المدنية ، بعد أن رأوا مماطلة من المجلس العسكري الحاكم ، وبعد أن قرؤوا في وثيقة (السلمي) نائب رئيس الوزراء تشريعاً يلتف على الدستور ، بحيث يصبح العسكر مرجعية الدولة وجسماً فوق الدستور وفوق مجلس الشعب المنتخب .

 

لم تكن مليونية الجمعة هي الوحيدة التي تعبر عن قلق الشعب وعن خوفه من المؤامرة، ولذلك هتفوا قبل أشهر ضد المجلس العسكري وطالبوا برحيله وذكروا الرأي العام أن قادة العسكر جزءاً من نظام مبارك المنحل ، وقادة الإعلام هم جزء آخر وإن حكومة شرف لا تملك صلاحيات ، لذا يجب أن ترحل أيضا، وتحدث الشباب عن الشرعية الثورية بوصفها البديل الشبابي عن تعديل الدستور ومازال المجتمع المصري بكافة أحزابه وتياراته ومثقفيه وعوام الناس فيه مسكونين جمعياً بالخوف من الغد ، ومن مصير الثورة ، ومنهم من يعظم دور واشنطن وتآمرها على الثورة لاستبقاء مصر تبعاً لها من خلال العسكر .

 

القلق مبرر والتخوف مشروع ، ولكن العودة إلى الحكم العسكري أو الدكتاتوري ممنوعة، بل هي اليوم ضربٌ من المستحيل ، بعد أن تمتع الشعب بحريته ، وتذوق طعمها اللذيذ التي لم يتذوقها منذ عام 1952 وحتى الآن.

 

لن تعود مصر ولا تونس ولا ليبيا ولا اليمن ولا سوريا إلى الوراء حتى ولو حاولت ذلك دول التحالف الداخلي والخارجي وتآمروا على الثورة ، والسبب في هذا الجزم بسيط جداً نحصره في لذة الحرية التي حطمت حاجز الخوف والدليل على ذلك، هو مليونية جمعة الحكم المدني في ميدان التحرير ونجاح الانتخابات الحرة النزيهة في تونس، حيث أفضت إلى تداول سلمي على السلطة.