"الجامعة" وخطر الحرب

نشر 20 نوفمبر 2011 | 08:01

في 12 نوفمبر 2011، استيقظت الجامعة العربية بعد طول نوم لتعلن أن ما يجري في سوريا يجب وقفه، فبعد مذابح دامت ثمانية أشهر، قتل خلالها أكثر من خمسة آلاف شخص، واعتقل 23 ألفاً في حماة لوحدها، ونزح عشرات الآلاف، استيقظت الجامعة لتقول: كفى! لكن آلية التنفيذ سوف تدخل إلى قواميس المفسرين الحقوقيين كي ينزلوها على أرض الواقع، ووقتها يكون قد قُتل ضعف ما قتل حتى الآن، فسوريا بدأت تتحول إلى ما يشبه الحرب الأهلية، حيث قتل يوم 14 نوفمبر الجاري 69 شخصاً، وبدأت مظاهر الصدام العسكري بالتزايد!

 

ومن يتأمل التاريخ يرى حكمة الله البالغة في النداء الخفي أن العالم يتغير، ففي عام 2004 اجتمع خبراء حقوقيون شباب من كل العالم لمدة خمسة أسابيع متواصلة بهدف الإعداد لصياغة قانون أولي للعدالة الإنسانية سُمِّيَّ "مشروع الماموت" الإنساني الممهد لتأسيس محكمة جنايات دولية. وهو ما يمثل نقلة نوعية في تاريخ الجنس البشري، ولفهم هذه النقلة لابد من تشريح تاريخي، فبين عامي 1618 و1648 نشبت حرب ضروس عرفت باسم "حرب الثلاثين عاماً"، اشتركت فيها معظم دول أوروبا، وتقاتلت خلالها جيوش مرتزقة وفرق دينية متعصبة، وتهدمت ألمانيا، ومات ستة ملايين ونصف من سكانها احتاجت بعدها إلى ثمانين عاماً حتى تنهض على قدميها، وأصدرت الكنيسة يومها مرسوماً بإباحة تعدد الزوجات عرف بـ"قانون نورمبرغ" لتعويض النسل.

 

وفي عام 1648 انتهت تلك الحرب الدينية بصلح "فيست فالن" بمدينة "منستر"، وكان مهندس الصلح "هوجو جروتيوس". فكان خروج الدول المتحاربة بثلاثة أمور: الصياغة السياسية لدول أوروبا، وسيادة الدولة، وأن الحرب حق طبيعي تمارسه الدولة فقط. وخلال 300 سنة، وصولا إلى محكمة نورمبرغ، بقي العالم على هذه الصيغة.

 

الحرب أمر عادي. والحرب حق الدولة لتنظيم العنف. ويبقى أن تحقيق السلام يتم من خلال العدل، وبنسيان الحرب، وعبر اتفاقيات يوقعها زعماء بعيداً عن روح الشعوب، وبذلك لا يمتد البحث إلى جذور المشاكل.

 

يقول المفكر الألماني "هيرفريد مونكلر" إن هذا يعني استصدار شهادات عالمية معترف بها بالقتل والقتل المضاد كأمر روتيني في الحروب، حيث تكون جرائم الحرب كالنهب والاغتصاب والتعذيب، أموراً عاديةً أو مجرد تأثيرات جانبية!

 

بقي العالم هكذا حتى محكمة نورمبرغ التي بدأت في نوفمبر 1945، وانتهت في أكتوبر 1946، بقلب جذري لمفهوم الحرب.

 

وبين صلح وستفاليا ومحكمة نورمبرغ، استطاع العالم تعديل أحكام الحرب في اتفاقيات جنيف التي يطالب بها اليوم المعتقلون السياسيون في العالم العربي، أي بالمعاملة كأسرى حرب.

 

لكن الضربة الصاعقة في انقلاب المفهوم كانت في محكمة نورمبرغ التي اعتبرت الحرب، ولأول مرة في تاريخ البشرية، الجريمة الأفظع، وينطبق هذا على من خطط لها وشارك فيها ومارس جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

 

وبهذا اللون الرباعي من التهم تمت محاكمة رموز النظام النازي. فانتحر "جورنج" مارشال الجو الشهير، وشنق "كالتن برونن" رئيس الاستخبارات العسكرية، وسمم نفسه "هملر" رئيس "الجستابو"، وحكم "البيرت شبير" -مهندس الرايخ- بعشرين سنة سجناً.

 

في عام 1946 ولد الوضع القانوني للعالم ولادة جديدة، بالنظر إلى الحرب ليس كأمر عادي وطبيعي، بل كوظيفة للدولة التي تمارس السيادة دون غيرها.

 

إن أفظع الحروب هي الحرب الأهلية، ومصير سوريا على كف عفريت طالما اتخذت قيادتها الحالية خيار الانتحار الجماعي ودفع البلاد إلى حافة الارتطام العسكري.