دولة البكيني أم دولة الخلافة؟

نشر 19 نوفمبر 2011 | 02:54

من يقرأ كتاب (دعاة لا قضاة) للإمام حسن الهضيبي لا بد أن يشعر أنّ هداية الله وتوفيقه رافقته وأنارت بصيرته في وقت عصيب وفاصل في تاريخ الحركة الإسلامية، وقت كادت الحركة تُجتث من جذورها بالتقتيل والسجن والحظر.

 في هذا الوقت أدرك أنّ الرد على القوة بالقوة لن يجدي وأراد أن يذكر الدعاة والعاملين بروح الإسلام القائم على دعوة الناس بالحكمة والموعظة الحسنة والسير بالناس إلى الله كل بحسب فهمه وهمته وقدرته، وأنّ الدعاة كرسولهم صلى الله عليه وسلم، مبشِّرون وميسِّرون ومعلِّمون لا معنِّفون أو معسِّرون.

 

 فهم، رحمه الله، أنّ منهاج الشهيد سيد قطب في المفاصلة بين الدعاة والمجتمع، والذي قال فيه في كتابه (معالم في الطريق) "إنّ أولى الخطوات في طريقنا هي أن نستعلي على هذا المجتمع الجاهلي وقيمه وتصوراته وألاّ نعدّل نحن في قيمنا وتصوراتنا قليلا أو كثيرا لنلتقي معه في منتصف الطريق"، قد لا يصلح لكل مرحلة وكل تجربة، لأنّه قد يؤدّي إلى مزيد من الخلاف والافتراق.

 كان الهضيبي يعمل على التجميع، بينما كان قطب صاحب عزيمة لا تعرف الرخصة حتى آخر لحظة في حياته، يوم آثر حبل المشنقة على أن يوقّع بإصبعه الذي يشهد بالوحدانية لله على إقرار لطاغية.

 الفرق بين الشخصيتين أنّ الأول كان رجل دولة والثاني كان رجل علم، ورجل الدولة والسياسة غير رجل العلم والتأليف، ورجل المسجد غير رجل الميدان، ورجل الحرب غير رجل السلم، ولكل وظائفه ومواهبه وخصائصه ولا انتقاص من أنّ أحدهما لا يستطيع ملأ مكان الآخر، فلقد سئل أبو بكر لماذا لا يستعمل أهل بدر!، فأجاب: "إنّي أرى مكانهم (أيّ أعرف فضلهم) ولكنّي أكره أن أدنّسهم بالدنيا".

 

 فرجل الدولة بحاجة إلى مقومات أخرى غير التقوى والعلم الشرعي، ولهذا لم يستخدم الرسول أبا ذر، ليس لنقصان في دينه إنّما لنقصان في قدرته، فرجل الدولة يجب أن يكون صاحب كفاءة وخبرة وحنكة ورشد وحسن تقدير، وشيء من رفق أبي بكر في عموم الأحوال وشدّته فقط عند الحاجة.

 

 والمجتمعات الإسلامية الآن تعاني إمّا من تشدد مفرط أو تساهل مخل، وكثيرون من الإسلاميين لم يحسنوا بعد قراءة خارطة شعوبهم واستغلال الفرصة الربانية التي لن تتكرر بعودة الشعوب إلى حضن الإسلام باختيار معظم الأفراد.

 

 ولعلّ ما يحدث في تونس نموذج واضح على ضرورة التأنّي وتطبيق خطة طويلة الأمد واضحة الأهداف والنتائج للخلاص من تبعات نظام علماني تفنن في حرب الإسلام واستطاع النفاذ إلى الكثيرين على امتداد أكثر من 24 عاما من حكم الرئيس المخلوع، هذا غير فترة سابقة وهما اللذان أنتجا أجيالا من اللائكيين (اللادينيين) والمتفرنسين والمتفرنجين ليحملوا إرث التغريب مهما اختلفت الأحوال.

 غير أنّ تجربة النهضة، التي ما زالت تخطو أول خطوات ثابتة على الأرض التونسية بعد عقود من النفي والتضييق، لم تسلم لا من نقد الإسلاميين ولا من حرب العلمانيين، وكل يفت في عضد النهضة على طريقته وبأسلحته!

 

 من السهل أن نراقب عن بعد ونسلّ سيوف النقد، ونتربّص لكل تصريح وقول وفعل، وندخل من نشاء في حرم الدين ونخرج من نشاء من ربقة الإسلام، وننسى أنّ تونس كانت دولة لا يرفع فيها الأذان بل ويعتبر تلوثا صوتيا، وكان المصلون يدخلون المساجد بالبطاقات الالكترونية، ومن كثر تردده على المسجد يساءل ويلاحق في تقليد للعلمنة والعداء الأتاتوركي للإسلام!

 

 ننسى أنّ النظام في تونس كان يسجن المحجبات ويغرّمهن ولا يسمح لهن بالتعليم أو العمل!

 ننسى هذه السياسات وما خفي كان أعظم، ونتوقّع أنّها لم تترك أثرا سلبيا في الشعب التونسي بالإضافة إلى سياسات التغريب الأخرى وأنّ الشعب بمجرد تحريره من الطاغية بن علي سيختار الإسلام ولا شيء غيره،

 نتغاضى عن النصر الذي حققه الإسلامييون في تونس وعن مظاهر العودة إلى الدين التي انتشرت في البلاد والإقبال الكبير على حزب النهضة الإسلامي، الذي تجلّى بنسبة فوزه التي تقارب النصف إلاّ قليلا، ونتصيّد في الماء العكر: فلان لم يحرّم الخمر، وننسى أنّ الله حرّم الخمر في السنة الثانية من الهجرة، أيّ بعد 15 سنة من البعثة، وأنّ الجاهلية التي نعيشها، حتى بوصف سيد قطب، أشدّ من الجاهلية الأولى. فلان لن يفرض الحجاب، وننسى أنّ تونس كانت معروفة بشواطئها التي تمتلأ بالنساء اللواتي يرتدين ملابس السباحة الفاضحة المعروفة بالبكيني!

 

 ننسى أنّ تونس هي الدولة التي أطلقت بأمر الله شعلة الثورة والتغيير ونختزلها في قضية البكيني وغيرها من الصغائر والأمور الهامشية، وكأنّ الإسلام سيقوم بمجرد تغيير هذه الأمور "الخطيرة" ومن ثم بإمكان الإسلاميين أن يرتاحوا فلم يبق لهم شيء ليفعلوه! نرى نتائج المشكلة دون أن نحاول علاج جذروها وأسبابها!

 

 تضيق الإنجازات ويُنتقص منها، ونتناسى أنّ أركان الدولة الإسلامية مبنيّة على المشاركة لا المغالبة، وسيادة القانون وحفظ الحريات، والعدل والشفافية والمساءلة، ولا نذكر من الجمل إلاّ أذنه، ولا ننظر إلاّ إلى القذى، فلا يبقى من سيرة حزب النهضة الإسلامي سوى عدم فرض الحجاب وعدم منع الخمر والبكيني، وكأنّ المرأة التي كانت ترتدي البكيني ستثوب إلى رشدها فقط لأنّ الإسلاميين أصبحوا في السلطة! وكأنّ ما بين البكيني والحجاب ليس أكثر من قانون يفرض بين ليلة وضحاها، قد يقيّد الجسد ولكنّ القلب ما زال في غيّه بعيدا عن الله.

 

 الكل له دلائله الجاهزة والكل متحمّس للانقضاض، ويصدق فيهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: سيخرج قوم في آخر الزمان أحداث الأسنان (أيّ شباب) سفهاء الأحلام (ضعاف العقول) يقولون من قول خير البرية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم".

 وليس إسلاميو تونس بمنجى من علمانييها، فهم كذلك ينتظرون كلمة أو زلّة، فمجرد استخدام كلمة الخلافة قلبت الدنيا وكأنّهم قالوا كلمة الكفر أو أقدموا على قبيح الخيانة!

 

 الكل متربّص وينتظر ليفتح النار ويكسح الآخر، وأسوأ التربّص ما يجيء ممن يظنّه المرء عضده وعونه، وإذا فقد الإسلامييون في الدول المختلفة المدد من إخوانهم، فإنّ وطأة الحرب عليهم في الداخل والخارج ستكون شديدة.

 

 نؤمن أنّ التدرّج سنة كونية، ولكننا نرفضه على أرض الواقع ونريد أن نفرض على الناس غصبا فكرتنا ومنهجنا، ولا نفهم الدرس من سيرة الأوائل الذي عمل به الراشدي عمر بن عبد العزيز يوم جاءه ابنه عبد الملك يستحثّه على التغيير جملة واحدة قائلا: مالك يا أبت لا تنفّذ الأمور؟! فو الله ما أبالي لو أنّ القدور غلت بي وبك في الحق، فأجابه عمر: لا تعجل يا بني! فإنّ الله ذمّ الخمر في القرآن مرتين وحرّمه في الثالثة، وإنّي أخاف أن أحمل الناس على الحق جملة واحدة فيدعوه جملة واحدة فتكون فتنة".

 

 إنّ الإسلاميين بحاجة إلى مراجعة فكرهم وسياساتهم، فالحكم وإقامة الدولة ليس كالعمل في صفوف المعارضة، والخطاب الجمعي ليس كالخطاب الخاص الداخلي! والتعقّل والتروّي والتعاون على الخير والإنتاج والبناء هو ما سيرجع الناس إلى الإسلام رغبة لا رهبة، ولدينا نموذج نجح في تركيا بهذا الفهم، وما زال ينتظر مزيدا من الاكتمال.