خمسة آلاف لقسوة قلوبنا

نشر 16 نوفمبر 2011 | 10:23

 ارتفعت أسعار استقدام العاملات في المنازل ارتفاعا صاروخيا وصل إلى الضعف وزيادة ليصل إلى خمسة آلاف دينار، وذلك بسبب إغلاق باب التشغيل من قبل دول جنوب شرق آسيا كأندونيسيا والفلبين وسريلانكا كردّ فعل على سوء معاملة الخدم في بلدنا، والتي أودت بحياة عدد من العاملات، إمّا على أيدي مخدوميهم أو انتحارا أو أثناء محاولة الهرب، أو أدّت الى إصابتهن بالعاهات والتشوهات كحادثة الحرق والكي بالنار لخادمة فلبينية، هذا غير مشاكل الاحتيال وعدم صرف الرواتب المستحقة مما دفع بلدان العاملات لتشديد الإجراءات والمطالبة بفتح حسابات بنكية للتأكّد من إيداع رواتبهن شهريا.

 إساءات البعض حرمت المرضى وكبار السن والعجزة والمحتاجين إلى العون والمساعدة المنزلية من استقدام الخادمات مع حاجاتهم الماسة إليهن، ليس كترف أو تقليد اجتماعي للمباهاة والراحة الزائدة!

 سجلاّتنا حافلة بالإساءات اللإنسانية للخدم، بما فيها الإساءات اللفظية والجسدية التي تصل إلى حد الاغتصاب! كما يرهق البعض الخادمات فوق طاقتهن، وحتى في وقت الراحة لا يجدن مكانا للنوم ولا سريرا أو حتى فرشة ولا خصوصية، فالبعض ينمن في المطبخ أو غرف التخزين أو في الممرات.

 لا نشكرهن على تعبهن! لا نتفاعل مع همومهن ولا حزنهن بالبعد عن أهلهن! يعيشون تحت سقوف بيوتنا سنوات يدخلنها غريبات ويخرجن أكثر غربة ووحشة، لا نكلّمهن في غير افعلي ولا تفعلي، لا نؤاكلهن ولا نجالسهن مع أنّ بعضهن بنات ديننا وفي سن بناتنا.
 يحملن همومنا وينظّفن وراءنا ويجعلن معيشتنا أكثر سهولة ويربّين أولادنا، ونحن نقابل ذلك بالإهمال والانتقاص، نذكر قوتنا عليهن وننسى قوة الله علينا.

 أحدث أفلام هيوليود بعنوان الخدم "The Help"، يروي قصة التمييز العنصري ضد الخادمات السود اللواتي كنّ يعاملن من قبل السيدات البيض وكأنهن بشر من درجة ثانية ونوع مختلف ولهن طبائع أقلّ إنسانية وأمراض أكثر فتكا، لدرجة أنّهم كانوا يبنون لهن حمامات خاصة خارج البيت ويخرجن لها حتى في العواصف والبرد القارص.

 الفيلم يعرض كيف تشذّ الفطرة البشرية ويغشاها الكِبر في المجتمعات المخملية التي تعامل بعض الناس وكأنّهم حشرات تداس تحت الأقدام، ولكن الفيلم ينتهي بحالة من الانتصار للإرادة البشرية التي تحقق الحرية والكرامة بغضّ النظر عن لونها.
 كان هذا حال الغرب في زمن التمييز العرقي عندما كان السود يقارنون بالكلاب ويُعدمون على جذوع الأشجار إذا رفعوا أعينهم في وجه سادتهم من البيض! إلاّ أنّ زمن حريّتهم ساوى بين البشر بكل ألوانهم وجنسياتهم وأعراقهم، وانكفأنا نحن على أعقابنا سادة في التنكيل بعد أن كنّا ورثة سيرة ضربت لنا أروع القصص في العطف واللطف، إذ قال أنس بن مالك: "خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع سنين فما قال لشيء فعلته لما فعلته، ولا لشيء تركته لما تركته، ولا عاب عليّ شيئا قط"، وذكر مسلم في صحيحه: "ما ضرب رسول الله شيئا قط بيده ولا امرأة ولا خادما."

 قال أبو الدرداء لبعير له عند الموت: "يا أيها البعير لا تخاصمني إلى ربك فإنّي لم أكن أحملك فوق طاقتك." هكذا كانوا يحرصون على الحيوانات ونحن نفرّط بحقوق الإنسان!

 فماذا نقول لرب البشر ونحن نكسر قلوب عاملات المنازل وندمي أجسادهن وندمع عيونهن ونهضم حقوقهن؟!
 فلنعد الجواب لرب البشر قبل أن نفكّر في ظلم البشر.