1- مبادرات بلا أظافر ولا آليات
كثرت الطروحات والقرارات والتسويات والمحاولات لحل ما يسمى أزمة سوريا أو "العنف في سوريا"، وآخرها المبادرة العربية، ولكنّها كلّها مبادرات بلا آليات لتنفيذ قرارات تلك المبادرات، فبينما النظام ينشب أظافره في الشعب السوري الأعزل البطل ويفتك به، فإنّ المبادرات لا أظافر لها.
والنظام الباطن المراوغ يقبل المبادرة ثم يفرغ قبوله من مضامينه بممارسة مزيد من القمع والقتل على الأرض، بل زيادة معدل الإجرام والطغيان، وفي هذه الأيام المباركة الفاضلة يزيد القمع والقصف على حمص، وكلما زاد تدين المنطقة زاد عليها العنف، ونستشهد في هذا السياق بما قاله شوقي في مناسبات مشابهة لكن على يد الاستعمار لا على يد أذنابه، المدّعين مقاومته، وحماية الأمة منه ومن مشاريعه، قال كأنّما يتكلّم عن جرح حماة القديم وجرحها الجديد، وجرح حمص القديم والجديد:
جرح على جرح حنانك (جِلَّقٌ) حُمّلت ما يوهي الجبال ونرهق
وقال الشاعر: ولكن نكأ القدح بالقدح أوقع، وقال متمم بن نويرة: إنّ الشجا يبعث الشجا..آه لو كنت يا عم أحمد يا شوقي موجوداً هذه الأيام ماذا كنت تقول في هذه الفلول الإجرامية المناوئة لنهوض الأمة المتمسكة بالعوائد والفوائد؟!
ولأنّ الشام إقليم جليل الشأن، فقد سبقت إليه إيران واحتوته (حتى لا أقول احتلته) وعرب التقاعس يتفرّجون!
فكان من دعمها لهذا النظام الإجرامي ما كان، وهو الذي جعله يهدد بإحراق المنطقة وإغراقها. وبينما يطرح العرب مبادرات، تمدّ إيران النظام بالمدرعات والطائرات وملايين الدولارات.
2- ستون شهيداً منذ قبول المبادرة
أكتب هذه السطور ثاني أيام عيد الأضحى المبارك، وقد أضحى القطر السوري العزيز أضحية لمجموعة من القتلة يقول قائلهم أو قاتلهم: "نحن لم نأخذ الحكم بإرادة القدر"، ويقول آخر منهم: "إنّ رأس بشار بمليون"! من هذا المجنون الذي يرى رأساً مأفوناً يساوي مليون رأس؟ والمضحى بهم من خيرة الشعب السوري، شباب كالورد حماسة واندفاعاً وحباً لوطنه وتضحيته، لو وجّه إلى الجولان لأتى بالعجائب ولأتى بها على طبق محررة من الأوغاد، لكن الإرادة السياسية، والقيادة المؤمنة باستعادة الجولان والمعدّة لذلك، غير موجودة، بل هي ليتها اكتفت بعدم وجودها بل قامت تبيد من وجودهم عدة تحرير الجولان، وأمل الجولان، وغد الجولان المشرق ولا أدري كم يبلغ الشهداء عندما ترى هذه الكلمات النور، سيكونون على الأقل مئة. والذرائع موجودة، والتبريرات، والإعلام المبرمج الخبير بالتلفيق جاهز لتمرير الجريمة، بدعوى المندسّين، وأنهم هم الذين يقتلون الناس والجيش والأمن، والسؤال الذي كرره الناس جميعاً: لماذا لا يقتل هؤلاء المندسّون أحداً من المظاهرات المؤيدة لبشار؟ هم إذا مندسّون من نوع خاص يحدد من دسّهم ولماذا دسّهم إنّهم مندسّون لقتل الشعب، دسّهم النظام، وجعلهم ذريعة لإفشال المبادرة بعدما تصنّع قبولها، وادّعى الموافقة عليها.
أعود بعد كتابة هذه الكلمات بأيام لأقول أنّ العدد قفز إلى ضعف العدد المذكور أعلاه وأكثر، تقبّلهم الله، وقاتل الله من قتلهم!
3- التدخل في سوريا
لماذا تستعلي سوريا على التدخّل العربي فيها وقد بلغ السيل الزبى؟ ولا يعلم إلاّ الله عدد القتلى والمفقودين؟ لماذا كلما ذكر "التوسّط" العربي في المشكلة اشتطّ النظام السوري في الشروط واستشاط غضباً وحمية، وادّعى أنّه فوق أن يتدخّل أحد في شؤونه؟
ولماذا عندما حدثت مشكلة في لبنان في السبعينيات احتلّت سوريا لبنان ولم تتدخّل لحلّ المشكلة، وضربت المنظّمات الفلسطينية بدءاً من فتح، وشقّت من بعد "فتح" إلى فتوح، وأبادت مخيّم "تل الزعتر" بالكامل، ثم انعطفت على الموارنة الذين نصرتهم في البداية، فحاربت عون والجيش اللبناني والمنظمات المسيحية، ولا زال دم "الجميل" بشير، تائهاً بين سوريا و"إسرائيل"، ثم انعطفت على السنة في طرابلس، فقصفتهم من البر والبحر والجو، فلماذا التدخّل حلال لكم حرام على غيركم؟
وتدخّلكم كان تدخّل دولة منفردة، والتدخّل الآن تدخّل جامعة الدول العربية، وتدخّلكم مسلذح، وتدخّل الجامعة سياسي يعني كلام في كلام؟ وتدخّلكم احتلال للبنان وحرب على كل طوائفه، وتدخّل العرب محاولة إجراء صلح ينقذكم أنتم من غضبة شعب سوريا الذي يتأجج غضباً ساطعاً أحمر، على ما صنعتم به من التقتيل والتعذيب والتنكيل!
فأيّ الفريقين أحقّ بالاحتجاج على التدخّل فيه، أنتم أم لبنان؟!
4- الثورة السورية..والحرب على إيران
غابت الأولويات عن النظام الذي يحتضن المقاومة، ويقود مشروع الصمود والممانعة! وغابت الأولويات عن النظام الإيراني الذي يدعم هذا النظام، وعن حزب الله الذي يقف في وجه "إسرائيل"، كما هو المفترض. ولو حضرت في أذهانهم الأولويات لكان لهم من الثورة السورية موقف آخر. ولا يقولن متفاصح أو مدع أنّه يفهم السياسة، أنّ الثورة السورية جزء ومقدّمة للحرب على إيران وسوريا، وأنّ الثورة السورية تعيد إنتاج موقف شيعة العراق أو قيادتهم بشكل أدقّ وقيادة الأكراد، وقطعاً ليس الأمر كذلك، فقد قامت الثورة في البداية مظاهرات لإخراج بعض الفتية والفتيات من سجون درعا، فاستطال النظام عليهم وكلّمهم بما استجاش مخزونهم من الغضب والكبرياء، ولا نعيد ما بات محفوظاً للجميع. ثم تطورت الأمور بعد المقتلة الأولى في درعا، وما كان شعار إسقاط النظام وارداً أصلاً، فالقتل استدعى مثل هذا الشعار والبطش والتطاول على الأعراض كان السبب في تفاقم الأمور. ثم الكذب ونسبة الأمور إلى الأشباح والمندسّين زادت الأمور تعقيداً، وإيران وحزب الله تنصر "أخاها" ظالماً أو ظالما جداً وبامتياز، بدل أن يسعيا في الصلح وتنازل النظام عن شيء من المظالم التي عامل بها الشعب. أقول لو كانوا يستحضرون عداوة "إسرائيل" ما خسروا شعب سوريا. أمّا الآن فقد خسروا شعباً بطلاً ما كان يوماً إلاّ مع المقاومة والممانعة بمعناها الصحيح والحقيقي!
لقد اختارت "إسرائيل" نسب الأوقات للتصعيد مع إيران وذلك للمعطيات التالية:
أ- الفيلم الأمريكي عن اغتيال السفير السعودي الجبير. واعتقد أنّ له دوراً، أيّ فيلم الاغتيال، في دفع الفواتير.
ب- ضعف الجيش السوري إلى حدّ الهلهلة وانعدام المعنويات واستنفاد القوى، وأنا أسلّم أنّ 80 في المئة من الشعب الإسرائيلي يقولون أنّ بقاءه، أيّ نظام الأسد، لصالح "إسرائيل"، لكن التضحية والعملاء إذا حانت اللحظة أمر جيد! وهو قطع للطريق على التغيير الحقيقي، فانتبه!
ج- إنّ "إسرائيل" تسابق الزمن لضرب إيران قبل تملّكها السلاح النووي، فعندئذ يصبح ضربها مستحيلاً، وأعلم أنّ إيران تحالفت مع أمريكا لاحتلال العراق ومن قبله أفغانستان، وأفتى مفتوهم أو مفتونوهم بحرمة مقاومة الجيش الأمريكي، والسيستاني الإيراني نموذجاً، ولكن المصالح والتحالفات ليست مقدّسة، وليست ثوابت لا تتزعزع ولا تتزحزح.
د- حزب الله بعد مواقفه من الثورة في أسوأ حالاته شعبياً، والجمهور الذي وقف الموقف المشرّف من حزب الله في حرب 2006، لن يقف الموقف ذاته في حرب 2012 إذا وقعت. والملوم حزب الله ومواقفه ولا يقولن أين المسلمون؟ فمن خذل يُخذل!
هـ- الثورات العربية إذا استقرّ لها الأمر وأطاحت بصالح والأسد واستلمت القيادة في هذه الأقطار وجرت انتخابات حقّة كما في تونس، فهذا يعني خطراً ماحقاً على "إسرائيل"، ولماذا كانت أمريكا و"إسرائيل" ترعى الدكتاتوريات العربية؟ ليوم كريهة وسداد ثغر عن "إسرائيل"! ف"إسرائيل" من هذه الناحية في عجلة من أمرها وتسابق الزمن قبل استقرار الثورات واستتباب الأمور لها وبيدها، وتكامل الأقطار العالقة في أقطارها، الثورة مع الأقطار التي أنجزت ثورتها فتصبح الأمور خطيرة جداً..
لكل هذه الأسباب وغيرها، أرجّح أن تقع الحرب، والمسؤول عن نتائجها السلبية إنّما هو الذي وقف من الثورة السورية المواقف السلبية.
إيران التي حرص وزير خارجيتها الجديد "صالحي" بعد "متكي" أو متقي ولا صالح ولا تقي، على تحسين العلاقة مع تركيا قبل أن يتسلّم وزارة الخارجية، وحاولت تركيا تسويق إيران في الغرب، إذ بإيران اليوم تعود تركيا وتسوء العلاقات بينهما إلى حد التهديد بالحرب، كل ذلك من أجل نصرة سياسة خرقاء ضد الشعب السوري تجرّ سوريا بهذه السياسة المنطقة إلى حافة الكارثة، ولو عقلت إيران، وتعقّل حزب الله، وقدّموا أولوية الصراع مع العدو اليهودي الصهيوني، لكانت المواجهة تأخذ منحى مختلفا أو قل، ربما لم تقع ولن تقع المواجهة.
فمن المسؤول عن كل هذا التدهور والانهيار؟!
أجيبونا يا عقلاء السياسة في سوريا وإيران؟!