عروق الكوارث

نشر 12 نوفمبر 2011 | 01:07

يعتبر جيلنا في الوطن العربي جيل الهزائم العسكرية والفوضى السياسية والخراب الاقتصادي، ما يذكر بجيل التيه الذي دفن في الصحراء. والبارحة اجتمعت بشباب من سوريا أعطوني الأمل في خروجهم من التيه، فهل هو سراب خادع في الصحراء العربية أم خروج حقيقي لدخول الأرض المقدسة التي كتبها الله لهم؟

مؤشرات كسر حاجز الخوف والتقدم نحو المستقبل ومناجزة الواقع قويةٌ، لكن مشاهد القمع واستلال الحياة على أيدي فرق الموت منذ عدة أشهر، تذكر بالشيوعية التي انقضى أجلها… فأين القطب في سماء الليل وأين الدليل؟

 
 

إنه أمر يحتاج إلى شيء من التحليل التاريخي. في عام 1995 توفي اثنان من أعظم الكتاب العرب؛ أولهما علي الوردي الذي عاش 82 عاماً وغادرنا مخلفاً وراءه أكثر من ثلاثين مؤلفاً، وثانيهما هو الصادق النيهوم الذي توفي عن 58 عاماً. أما الوردي فسار في جنازته أفراد قلائل على خوفٍ من فرعون وملئه أن يفتنهم؛ بينما مات النيهوم مثل أبو ذر الغفاري: "يمشي وحده ويموت وحده ويبعث وحده".

 

يصف "سعد البزاز" الوردي بالقول إنه أكبر عالم اجتماع في وطنه، وكان حرياً به أن يودع بجنازة تليق به، من خصومه وأصدقائه معاً، لكن لم يكن الخصوم ليسيروا في جنازته في بلاد "غابت عنها تقاليد الحوار وبات من النادر فيها احترام الرأي الآخر، وتحولت الخلافات الفكرية إلى سكاكين تقسم الناس، فحيثما ينعدم احترام الرأي الآخر يصبح التشبث بالخصام والنزوع إلى الإيذاء بعضاً من مظاهر الانفصام العام في شخصية المجتمع". أما الأصدقاء فلا شك أن الخوف "شل أقدامهم عن الخروج إلى الشارع في تظاهرة الوداع. وحيث يوجد رعب جماعي تزداد الهواجس ولا يعود بإمكان الناس الإفصاح عن هويتهم الفكرية في لحظة مشوهة من التشظي في تركيبة المجتمع".

مات الوردي تاركاً وراءه مؤلفات تأسيسية للفكر؛ مثل "منطق ابن خلدون"، و"وعاظ السلاطين"، و"مهزلة العقل البشري"، و"موسوعة تاريخ العراق الحديث". ومات "النيهوم" تاركاً وراءه مؤلفات مثيرة مثل: "محنة ثقافة مزورة"، و"من سرق الجامع"، و"إسلام ضد الإسلام"، و"قرود… قرود".

وللوصول إلى عروق الكوارث، يطرح البزاز تساؤلاته: من نحن؟ وهل نحن شعب واحد حقاً؟ ولماذا توالت الكوارث علينا؟ أهو عقاب إلهي قررته الأقدار، أم أن الكوارث هي نتاج جلدٍ جماعي للذات؟ ومن تلك التساؤلات يصل إلى تحليل يدعو للتأمل ولا يخلو من الحقيقة، فينقل عن الوردي تحذيره من قدوم العوام من ريف متخلف إلى المدن، الأمر الذي سيؤدي إلى اجتياح المجتمع المدني على أيدي العسكر، واغتصاب مؤسسة الدولة الحديثة، وترييف المدينة بقيم الثأر والعنف.

وهناك من يرى أن معظم أنظمة الحكم العربية في الوقت الحالي لا تزيد عن تحالف الريف ضد المدينة، واستبدال إقطاعيي الأراضي بزعماء الكتائب الأمنية الجديدة، بفارق أن مضارب القبيلة امتدت إلى كل مفاصل السلطة والمجتمع، ولا ضمانة أمنية لأي كان. وينتهي البزاز إلى أن "إعادة دور المدينة" ستؤدي إلى سلسلة من التحسينات مثل: إذابة الفروق العرقية والمذهبية، ورد الاعتبار إلى مفهوم الدولة، وفرض النمط السلمي لحل المشاكل، وإعادة إنعاش مجالس الفكر