مورفولوجيا التشكل

نشر 03 نوفمبر 2011 | 07:25

عادة ما نعرف وضع المريض من مؤشرات؛ أهمها الضغط والنبض والحرارة ودرجة الوعي، وهي "العلامات الحيوية"، ونموذج ذلك فراق النبض مع الضغط؛ فإذا هبط الضغط وتسارع النبض وشحب الوجه وتعرق الجبين، كان ذلك مؤشراً خطيراً على "حالة الصدمة"، وقد يقود إلى الموت النهائي، أو موت الدماغ بكل ذيوله الكارثية.

 

ولقد تعلمت من "هربرت سبنسر"، الفيلسوف البريطاني، محاولته إدخال العلوم على بعضها البعض، وهو ما عناه الطبيب "ألكسيس كاريل" عن طبيعة الحياة ودراستنا للأشياء؛ فنحن لا نرى الجرثوم أو الفيروس أو حتى البعوضة وهي تمعن في شفط الدم، وماذا يحدث بالضبط، بل ندرسها كائنات ميتة تحت المجهر.

 

كذلك الحال في علم اجتماع الثورات التي تعصف بالعالم العربي، فهناك فرق بين الدراسة الأكاديمية والثورية الميدانية للأشياء، فالمحللون والدارسون يحبون الرجوع إلى البنى القديمة الهامدة الهادئة كي يتأملوها ويتتبعوا مجراها، محاولين فهم سنن ولادتها وانفجارها، كما في الأمراض والولادات.

 

لكن كيف يمكن وصف ما يجري في سوريا حالياً… هل هو حال عدَّاءٍ في الماراثون تسارع نبضه وارتفع ضغطه، أم حال مريض ينزف فيتسارع نبضه ويشحب لونه وينخفض ضغطه ويسرع إلى القبر والكفن؟! وأين الوضع السوري في مقاربة بيولوجية سسيولوجية كهذه؟

 

في الواقع، أتمنى أن أخترق سجف الغيب فأرى مورفولوجيا التشكل بتعبير كافكا، هل نحن مقدمون على نموذج صومال غارق في الفوضى والمجاعة؟ أم على نموذج ليبيا مع القذافي وقد استعد لإحداث هيروشيما جديدة في طرابلس فيما لو اقترب حبل المشنقة من رقبته؟ لا نعلم هل يملك العقيد الليبي أسلحة فتاكة، ولو بحجم صغير، اشتراها عقب انهيار الإمبراطورية السوفييتية، وهل سيشعلها فوق رؤوس أهالي طرابلس مع الغرغرة الأخيرة في سكرات الموت!

 

كذلك لا نعلم تحديداً مصير نظام "البعث"، وهل سيتملك زمام المبادرة بعد مجزرة حماة، كما فعل الأسد الأب عام 1982 مع سكان مدينة متوسطة الحجم بجبال من جثث بلغت عشرات الآلاف! لا نعلم على وجه التأكيد سيناريو الأحداث، ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء.

 

إنها مرحلة حبلى بالأحداث المتسارعة، لكن الشيء المؤكد كما يقول الفيلسوف: تمر العقود ولا شيء، ثم تمر الساعات فيحدث فيها كل شيء.

 

نعلم أن العالم العربي يولد ولادة جديدة وعلى نحو متسارع، قد يسير نحو الأفضل، وقد يغادر الديكتاتورية إلى التفسخ والفوضى. ويبقى الرهان على وعي الجماهير ومفكري الأمة الذين ينظرون للمستقبل.

 

هل القتل في حماة ودير الزور سيحرك المجتمع الدولي لإنقاذ السوريين من آلة القتل الجهنمية، أم أنه لن يبالي فينتهي مصير المنطقة مثل البوسنة بمدن مدمرة وأنقاض مصانع وبئر معطلة وقصر مشيد؟ هل سنواجه حطاماً كالذي رأيته في زيارتي الأخيرة لسراييفو أو كما تحدث القرآن عن سبأ في اليمن حين بدل جنتيهم بـ"جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل"؟

 

أحياناً أقول متذكراً من سورة إبراهيم كيف هدد المجرمون الآخرين بالقتل فدمر الله عليهم "فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد".