التصعيد الصهيوني والأهداف الخفية

نشر 31 أكتوبر 2011 | 10:01

في الوقت الذي كان الشعب الفلسطيني يعيش نشوة سعادته وانتصاره بتحقيق صفقة وفاء الأحرار، عاش الاحتلال الصهيوني أوقاتا عصيبة جدا، فقد وجد نفسه مُرغما لأول مرة للركوع أمام تنظيم فلسطيني استطاع أن يجبره على تحقيق غالبية مطالبه. لقد اعتاد هذا العدو للحصول على ما يريد ومن الجهة التي يريد بجرة قلم أو بإشارة من يده وربما تلميح بعينه الماكرة، وكان العرب والسلطة الفلسطينية يمنحونه ما يُريد أملا في رضاه، ليكون فعلهم هذا سببا في زيادة عجرفته وطلبه للكثير من التنازلات.

 

مضت الأيام فتغيرت قواعد اللعبة، وجاء اليوم لهذا العدو والذي جعله يجثو على ركبتيه بعد أكثر من خمسة أعوام على أسر جنديه لدى المقاومة الفلسطينية واستخدامه لمختلف الوسائل وشتى العملاء، ولكن دون جدوى. أُنجزت الصفقة، وتحققت رؤية الشيخ أحمد ياسين- رحمه الله- والذي قال منذ سنوات خلت: "بدنا اولادنا يروحو غصباً عنهم"، تماما كما جاءت اللحظة التي تفتخر فيها المحررة ضمن الصفقة أحلام التميمي والمحكومة بأكثر من ستة عشر مؤبدا بأن "خلفها رجالا لن يتركوها في السجن" كما ردت على أحد ضباط الاحتلال زمن اعتقالها بعدما حاول كسر إرادتها وقال لها: "يا أحلام سوف تتعفنين في السجن".

 

انتهت الدفعة الأولى من الصفقة وما تزال اللطمات تتوالى على الاحتلال وإن حاول نتنياهو الظهور أمام جمهوره بأنه قدم انجازا تاريخيا وأعاد شاليط لأهله، ولأجل ذلك كان الاحتلال يمكر في الخفاء وينزع الفرحة عن شفاه الفلسطينيين بل والمسلمين بهذه الصفقة، وبدون مقدمات أقدم يوم الثلاثاء الماضي وفي لحظة هدوء غير مسبوقة على استهداف مجموعة من خيرة أبناء الشعب الفلسطيني وقادته، ولقد نفذ هذه الجريمة لأنه أراد تحقيق مجموعة من الأهداف، تتلخص في التالي:

 

1-  السبب الأول والرئيس والأهم وراء التصعيد على غزة هو إنجاز المقاومة الفلسطينية وحركة حماس لصفقة "وفاء الأحرار" والتي من خلالها تم الإفراج عن أسرى لم يتوقع العدو أن يراهم في مثل هذه اللحظة تماشيا مع عجرفته التي قلنا سابقا أن العرب والسلطة الفلسطينية من شجعه عليها، فقد أدرك الاحتلال الصهيوني أن هذه الصفقة رفعت أسهم حركة "حماس" كثيرا في صفوف المجتمع الفلسطيني ولم تجد آراء المثبطين من الاحتلال أو المندسين في صفوف الفلسطينيين مكانا لتسويق أفكارها المبهتة للصفقة في ظل سيل جارف أشاد بها ودعا لقيام بالمزيد منها، فأراد العدو الصهيوني أن يعيد اعتباره من جانب ويوقف فرحة الشارع الفلسطيني خاصة في ظل الانتقادات الداخلية لرضوخ هذا الكيان لرغبة المقاومة الفلسطينية كأول مرة بهذا الثمن الكبير من جانب آخر، ولا يغيب عنا ما قاله أحد كتاب المقالات في إحدى صحف العدو في تعقيبه على الصفقة: "إسرائيل تجثو على ركبتيها.. وترضخ لمطالب حماس".

 

2-  إن حُسن إدارة حركة "حماس" لملف صفقة وفاء الأحرار، من خلال سماحها لكل ألوان الطيف الفلسطيني بمشاركتها في احتفالات الترحيب بالمحررين، ورفع كافة رايات الأحزاب الفلسطينية- حتى المتناقضة معها أيديولوجيا- والفعاليات التي أعقبت الصفقة قربت الفصائل الفلسطينية كافة إلى حركة "حماس"، هذا على الرغم من أن هذا الاقتراب من الحركة لم يكن برغبة بعض الفصائل التي وجدت في إنجاز "حماس" خطرا على شعبيتها المتهالكة أصلا، خاصة وأن تلك الفصائل التي أرغمها طوفان الجماهير المؤيدة للصفقة للقرب من الحركة الإسلامية، وأمام هذا التقارب الفصائلي الكبير الذي حققته الصفقة وجد الاحتلال الصهيوني أنه لا بد من خلط الأوراق من جديد خشية من أن يتمخض هذا التقارب فيلدُ مصالحة تُقرب الفلسطينيين أكثر من تحقيق أهدافهم الوطنية.

 

3-  لقد شكلت العلاقة المتينة التي باتت تربط حركتي "حماس" و"الجهاد الإسلامي" والاقتراب كثيرا في المواقف السياسية والميدانية بين الطرفين وبخاصة في الآونة الأخيرة أزمة حقيقية له، فقرر أن يُحدث أزمة بينهم، وهذا تمثل من خلال اختياره لمجموعة من قادة الجهاد الإسلامي للاغتيال. كان العدو قادرا على تنفيذ اغتيال في صفوف حركة "حماس" الذين زادت حركتهم في خضم الاحتفالات بصفقة وفاء الأحرار، ولكن اختياره لقادة الجهاد الإسلامي جاء لهدفين، أولهما: أن الحركة سترد على هذه الجريمة في الوقت الذي ستحاول منعها "حماس" من ذلك لبقاء الفرحة مسيطرة على الشارع الفلسطيني بالصفقة، وثانيهما: أنه اختار قيادات وازنة جدا في سرايا القدس "الجناح المسلح لحركة الجهاد الإسلامي" بهدف رفع وتيرة الاستفزاز لدى مجاهدي الحركة بشكل مضطرب وكبير جدا، والرد بشكل يكشف بعضا مما تمتلك المقاومة من عتاد وسلاح، وهما أمران تحقق ثانيهما- بحسب مراقبين رأوا بأن الورقة التي أفصحت عنها "سرايا القدس" ما كان يجب أن تكون بهذه السرعة-، وفشل الاحتلال في إنجاز أولهما، وهو ما يبرر رد مختلف الفصائل الفلسطينية على جريمة الاحتلال دون منع من أحد.

 

4-  شكلت الوحدة التي عاشتها الأجنحة العسكرية الفلسطينية- مؤخرا- عنصر قلق للعدو الصهيوني، فقد اتفقت تلك الأجنحة على التشاور فيما بينها عند كل تصعيد أو رد على جرائم الاحتلال، فأراد الاحتلال وأد هذا التقارب في المواقف العسكرية الفلسطينية بينما لا تزال في مهدها.

 

5-  يُلاحظ في الآونة الأخيرة أن قادة الاحتلال صّعدوا من وتيرة حديثهم عن امتلاك حركة "حماس" لأسلحة وصلتها عن طريق الأنفاق الحدودية، وأنها باتت تمتلك صواريخ روسية متطورة ومضادة للطيران، وكلها وصلتها من ليبيا بعدما حسم الثوار الأوضاع لصالحهم، وامتلكوا أسلحة من روسيا ومن دول أخرى، وبحسب تصريحات قادة الاحتلال فإن لديهم شكوكا عن وصول تلك الأسلحة لغزة، فأرادوا تحريك المياه الراكدة في سبيل استفزاز فصائل المقاومة الفلسطينية وبخاصة "حماس" بهدف معرفة الأوراق التي تمتلكها هذا من جانب، ومن جانب آخر وضع الخطط الكفيلة بمنع وصول أي أسلحة من ليبيا- إن كانت تصل أصلا- والتحرك على الأرض الليبية لمنع إيصال أي أسلحة لغزة بإمكانها تغيير المعادلة الإستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط.

 

6-  اختلق الاحتلال هذا التصعيد لمحاولة تحقيق أمرين على صعيده الداخلي، يتمثل أولهما في تقوية روابط الحكومة لديه خاصة بعد تبادل للاتهامات بين الأحزاب الصهيونية المختلفة كنتيجة لرضوخ نتنياهو لشروط المقاومة الفلسطينية والاستجابة لمطالبها بالإفراج عن مئات الأسرى من أصحاب "الأيدي الملطخة بالدماء" كما ينظر إليهم قادة العدو، ومن جانب آخر حاول نتنياهو إخماد المظاهرات التي أرادت الخروج مرة أخرى للشوارع للمطالبة بأوضاع اجتماعية جيدة، فتنفيذ عملية الاغتيال لقادة سرايا القدس جاء يوم السبت في الوقت الذي كانت ستشهد شوارع كيان الاحتلال مظاهرات في مساء اليوم التالي، غير أن سلطات الاحتلال قامت بإلغاء مظاهرة احتجاج اجتماعية كانت مقررة في مدينة بئر السبع مساء الأحد بحجة الأوضاع الأمنية.

 

7-  العمل على استدراج عدد من الأسرى المحررين في الوقت الراهن للعمل المقاوم- وهو ليس جريمة- للرد على جرائمها، وهو ما سيدفعها لاغتيالهم وبخاصة القادة منهم، وهذه تعتبر الخطوة الثانية من قبل الاحتلال الصهيوني بعد أيام على خطوة أخرى بحقهم قام بها في الخفاء ودفعت 36 نائباً في الكونغرس الأمريكي لتوقيع عريضة تطالب بوضع أسماء الأسرى الفلسطينيين المحررين في صفقة "وفاء الأحرار" ضمن قائمة ما يسمى "الإرهاب الدولي" وملاحقتهم أمنياً في كافة أنحاء العالم.

 

8-  وجدت دولة الاحتلال نفسها في عزلة دولية، وأدركت أنها أمام خطوة- شكلية بالطبع- تتمثل في توجه رئيس السلطة محمود عباس للأمم المتحدة في محاولة لنيل اعتراف بدولة فلسطين، وهذه القضية ستُعرض منتصف هذا الأسبوع على منظمة اليونسكو للتصويت على عضوية فلسطين كعضو كامل في منظمة التربية والثقافة والعلوم، فقرر الاحتلال أن يسبق منتصف الأسبوع ويُصعد الأوضاع بداية الأسبوع، وبكل تأكيد فهو يعتقد أن هذا التصعيد سيُقابل برد من المقاومة الفلسطينية دون النظر في خطوة عباس التي ترى الفصائل أنها جاءت منفردة، وحدث ما كان يتوقع فقد سبقت دبلوماسية الاحتلال بمشاهدة التصويت على طلبه بتقديم شكوى ضده لدى الأمم المتحدة ومفادها "أن من يريد دولة فيجب أن يحتكم على كل أراضيها، أما عباس فلا يمتلك القدرة على منع صواريخ غزة".

 

9- إن عملية التصعيد في قطاع غزة محاولة من الاحتلال الصهيوني بهدف لفت الأنظار إليها، في الوقت الذي تزيد حدة جرائمه في الضفة الغربية المحتلة من اعتقالات وحرق لأشجار الزيتون من قبل مستوطنيه، وليس مُستبعدا أن يكون التصعيد لتنفيذ ما تحدث عنه الاحتلال قبل أيام حول نيته هدم باب المغاربة في القدس الشريف.

 

10- لا يزال العدو الصهيوني غير مُتخيلا للتغييرات التي جرت على الساحة العربية وبخاصة على الجانب المصري، فأراد القيام بخطوة جريئة "باعتقاده" في محاولة منه للتعرف على ردة الفعل الرسمية المصرية تجاه أي تصعيد للأوضاع ضد الأراضي الفلسطينية، فكان أن جاءه الرد على لسان مسئول مصري رفيع يقوم بحوارات لتثبيت التهدئة بين المقاومة الفلسطينية والاحتلال: "إن مصر الثورة ليست هي ذاتها التي كانت زمن الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك".

 

11- حتى اللحظة لم تتخيل قوات الاحتلال الطريقة التي تمكنت من خلالها المقاومة الفلسطينية على إجبارها لتحقيق مطالبها بالإفراج عن أسرى المؤبدات والمحكوميات العالية في الدفعة الأولى للصفقة، فأرادت خلط الأوراق المتعلقة بالصفقة وتوتير الأوضاع، في محاولة منها للتملص من الدفعة الثانية للصفقة، وهذا ما ظهر جليا من خلال التضارب في تصريحات قادة الاحتلال حول الدفعة الثانية وتأكيدهم تارة بأن المُفرج عنهم من الجنائيين ومرة ثانية أنهم من شارفت محكومياتهم على الانتهاء وغيرها من التصريحات التي تلعب على الوتر النفسي لذوي الأسرى الأبطال القابعين في سجون الاحتلال.

 

إلى جانب هذه الأهداف تأكيدا هناك الكثير مما يخطط له العدو الصهيوني ليلا ونهارا، فهو يمتلك فنونا كبيرة ومتعددة ولا حدود لها في المكر والدهاء والمكيدة، فمنذ عقود من الزمن يُشهد لهذا العدو قتله للأنبياء والمرسلين بالآلاف وكثرة جداله لنبي الله موسى عليه الصلاة والسلام عندما بلغهم أمر الله لهم بأن يذبحوا بقرة، ولكن وعلى الجانب الآخر فإن الشعب الفلسطيني يمتلك إرادة قوية يستمدها من إرادة المولى عز وجل، وهي إرادة كفيلة بانتزاع حقوقه من بين أنياب المُحتل الذي يعمل جاهدا بكل ما أوتي من قوة لإبادة هذا الشعب المتمسك بأرضه وحقوقه وثوابته.