حتى قبل أن يتم الإعلان رسمياً عن نتائج أول انتخابات ديموقراطية نزيهة تجرى في تونس في التاريخ الحديث، سارع حكام تل أبيب إلى إثارة الفزع في ربوع العالم من النتائج الأولية التي دللت على تقدّم حركة النهضة بشكل كبير. فقد اعتبرت النخب الإسرائيلية أنّ فوز النهضة يدلل على أنّ "الربيع العربي" قد استحال إلى "خريف"، ستكون تل أبيب هي الطرف الذي سيدفع قيمة فاتورته الباهظة. في هذه الأثناء كشفت صحيفة "يديعوت أحرنوت" النقاب عن أنّ وزير الحرب الصهيوني إيهود براك يرعى شخصياً جلسات "عصف فكري"، يشارك فيها بشكل خاص المسؤولون عن صياغة التقديرات الاستراتيجية في الأجهزة الاستخبارية، حيث أنّ الاستنتاج الأبرز لنتائج الانتخابات التونسية هو أنّ الإسلاميين هم البديل الطبيعي لأنظمة الاستبداد في الوطن العربي.
إنّ إثارة الفزع من التجربة التونسية مرتبط بحرص المؤسسة الحاكمة في "إسرائيل" والنخب المرتبطة بها على التشكيك في طابع ثورات التحوّل الديمقراطي في الوطن العربي وتحذير العالم من مآلاتها، عبر الزعم بأنّها ستفضي حتماً إلى هيمنة الحركات الإسلامية على مقاليد الأمور في الدول العربية. ولقد فطن نتنياهو مبكّراً إلى إثارة مخاوف العالم من خلال تحذيره من تكرار تجارب يبدي الغرب تجاهها حساسية خاصة، لا سيما تجربة ثورة الخميني في إيران التي انطلقت كحركة احتجاج ضدّ نظام الشاه وانتهت بإقامة الجمهورية الإسلامية، ولم يفته التحذير من أنّ مصر تنتظر مصيراً مشابهاً في حال صعد الإسلاميون للحكم فيها كنتاج للثورة. لم يكتف نتنياهو بالتحذير من مخاطر وصول الإسلاميين للحكم، بل حاول إعطاء الانطباع بأنّه حريص على بروز تيار "ديمقراطي" منافس لهم، فدعا إلى تأسيس صندوق دولي لدعم خصوم الإسلاميين في العالم العربي، ممن أسماهم "ذوي التوجهات الليبرالية"، مشبّهاً هذه الخطة بخطة "مارشال" التي نفّذتها الولايات المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية لدعم أوروبا؛ وقد أرسل نتنياهو عيران ليرمان، مساعد مستشاره للأمن القومي للولايات المتحدة لبحث هذا المقترح مع قادة الكونغرس الأمريكي. وفي سعيها لشيطنة ثورات التحوّل الديموقراطي في العالم العربي، وتأليب العالم عليها، فقد اقتفت النخب الإسرائيلية أثر نتنياهو، وحرصت على استدعاء متلازمتي إيران وحماس، والإيحاء بأنّ العالم بات على موعد مع تكرار هاتين التجربتين. فهناك من اعتبر أنّ ما حدث في مصر "إنقلاب وليس ثورة"، لأنّ هذه الأحداث ستنتهي بوصول الإخوان المسلمين للحكم، وهم سيقيمون في مصر "النسخة السنية للجمهورية الإسلامية في إيران"، والتشديد على أنّه لا يوجد في مصر أيّ ميل نحو التحوّل الديموقراطي والحريات، بل العكس تماماً.
ولقد حذّر يوسي بيلين من أنّ تسليم العالم بنقل مقاليد الأمور للإسلاميين في أعقاب الثورات العربية يمثّل "عملاً غير مسؤول"، مدعياً أنّ الرئيس أوباما عاد إلى نفس "الخطأ" الذي وقع فيه الرئيس جيمي كارتر الذي "تخلّى" عن الشاه، مما أدّى في النهاية ليس فقط إلى سقوط الحكم الأمبرطوري في طهران، بل إلى تغيير جذري في المنطقة بأسرها. وزعم إيتان هابر أنّ الثورة في مصر تحديداً تشكّل نقطة تحوّل: "فارقة نحو القطيعة بين مصر والعلمانية والغربنة"، متوقعاً أن "تنافس الصور التي ستأتي من مصر، تلك التي تصل من إيران التي تحرّك الأحداث من وراء الكواليس، من أجل تحقيق هدف رئيس واحد، وهو القضاء على أجواء السلام والمصالحة مع إسرائيل". في حين اعتبر إلياكيم هعتسني، أحد قادة المستوطنين اليهود في الضفة الغربية أنّ صول الإسلاميين "الحتمي" للحكم بفضل الثورات العربية، سيشكّل دعماً كبيراً لحكم حركة حماس، مما يمثّل تهديداً استراتيجياً ل"إسرائيل"، معتبراً أنّ وصول الإسلاميين المتوقّع للحكم في مصر يعني تقليص قدرة تل أبيب على العمل ضدّ الحركة، على اعتبار أنّ هناك إمكانية كبيرة بأن يزوّد الحكم الجديد في مصر حماس بتجهيزات ومعدات حربية لوجستية دفاعية تقيّد قدرة "إسرائيل" على إلحاق الأذى بحماس، علاوة على أنّه لا يستبعد أن تقف مصر، تحت حكم الإسلاميين، خلف عمليات عسكرية على طول الحدود مع "إسرائيل".
وإزاء المواقف العلنية التي تحاول تحريض العالم على الثورات العربية من خلال إثارة فزّاعة الإسلاميين، نجد أنّ المسؤولين الإسرائيليين يبدون في الغرف المغلقة ارتياحاً لسيطرة حركة حماس على مقاليد الأمور في قطاع غزة، مع العلم أنّهم في العلن يواصلون الدعوة لإسقاط حكم الحركة.
إنّ التناقض الذي تعكسه التقييمات التي تصدر عن المسؤولين الإسرائيليين بشأن طابع تجارب الحركات الإسلامية في الحكم في العلن وفي الغرف المغلقة، يستدعي محاولة البحث عن مرامي "إسرائيل" الحقيقية من إدارة حملتها الهادفة لنزع الشرعية الدولية عن الثورات العربية من خلال الزعم بأنّها ستفضي لسيطرة الإسلاميين على الحكم.
إنّ هناك الكثير من المؤشرات الواضحة التي تدلل على أنّ حرص "إسرائيل" على إثارة الفزع من الثورات العربية عبر التحذير من صعود الإسلاميين يأتي كتعبير عن المرارة من خسارة "إسرائيل" "مزايا" الأنظمة الديكتاتورية في العالم العربي التي كانت ترتبط بها. وهناك فيض من التصريحات الإسرائيلية الرسمية التي تشير إلى تعلّق تل أبيب بشكل أساسي بأنظمة الحكم الديكتاتورية. ومما يدلل على أنّ التحذير من الإسلاميين يهدف بشكل أساسي للحفاظ على الأنظمة الديكتاتورية التي لم تشكّل تحدياً ل"إسرائيل"، حقيقة أنّ نتنياهو، الذي يخرج عن طوره في التحذير من أن تفضي الثورات العربية إلى سيطرة الإسلاميين، هو تحديداً الذي سعى بكل قوة للحفاظ على الأنظمة الديكتاتورية. فقد أقام نتنياهو في ديوانه خلية عمل أواخر كانون الثاني الماضي بهدف تنظيم حملة سياسية ودبلوماسية هدفت بشكل أساسي إلى إقناع دول العالم بعدم السماح بخلع مبارك. ولم يتردد نتنياهو في الإفصاح عن سرّ حرصه على بقاء مبارك، حيث أوضح أنّ "مبارك كان حليفاً حيوياً جداً لإسرائيل وأنّ هناك مخاطر تتربّص بإتفاقية كامب ديفيد" في حال تنحى.
وهذا يكشف عن الدوافع الحقيقية للفزع الإسرائيلي من صعود الإسلاميين للحكم في العالم العربي.