لقد جاء الإسلام كثورة على مألوف ما اعتاده البشر من قبل في أديانهم سواء من الرهبانية النصرانية أو الشعور بالفوقية والطغيان الذي مارسه اليهود على غيرهم من الأمم أو التخليط الوثني الذي عاشه العرب في جاهليتهم.
جاء الإسلام دينا تكامليا يجمع بين الدين والدولة والعبادات والمعاملات، ولم يرض بأن يكون المرء قديسا على سجادة الصلاة وإبليسا بين الناس، بل جعل من شروط كمال العبادة أن ينعكس أثرها في حياة الإنسان ولا خير في عبادة لم تنه المرء عن الفحشاء والمنكر.
ولقد ثار الإسلام على العادات والتقاليد والأحساب والأنساب التي كانت تقدّم أناسا وتؤخّر آخرين، وجعل النسب والحسب الوحيد المعتبر هو حسب التقوى ونسب العبودية للرحمن.
وقد علم الله سبحانه أنّ النفس الإنسانية تألف حتى العبادة وتعتاد عليها ولا تعود تؤثّر فيها كما ينبغي، فلوّن الله لعباده الطاعات لكي ينفض عن النفس غبارها ويحرّك مياه القلب الراكدة، فالوقوع في فخ العادة والسكون إليها هو أسوأ مرض قد يصيب قلب الإنسان وعباداته.
ومن رحمة الله أن جعل لعباده مواسم ودورات تدريبية تخلع عنهم قيود الحياة وتعيدهم إلى لحظة الصفاء والولادة الأولى، فيذكرون الأمانة التي حملوها والشهادة التي أقرّوا بها لله قبل أن يتخلّقوا في ظهور آبائهم، ويتعلّمون خلالها الصبر على المشقة وعلى معاملة الخلق وجمال الرحمة مع الجماعة، وأعظم هذه المواسم موسم الحج وأيّامه العشر التي أكمل الله فيها الدين فنزلت على رسول الله صلى الله عليه و سلم في حجة الوداع "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا"، وهذا الكمال رسالة للمسلمين أن لا يرضوا بالنقيصة والدنية في دينهم ولا يرضوا بالهوان والذلّ لأنفسهم بعد أن بلغ الدين أشدّه والنصر تمامه.
وفي استطلاع للأراء في أحد المواقع الالكترونية ربطت النساء ببصيرة نافذة بين الحج ومفهوم الثورة، وكان مما ذكرنه أنّ "الحج لغةً القصد وبهذا يكون من الضررورة وجود رؤيا وهدف واضح للثورات، وأن تكون كلّها لله رب العالمين للنهوض بالأمة، وأنّ موسم الحج انفكاك من قيود الدنيا وعبوديتها توجها إلى الله، أمّا الثورات فهي انفكاك من قيود الظلم واستعباد الحكام واستبدادهم انطلاقا نحو الحرية، والحج في شهر حرام يحرم فيها سفك الدماء والأنظمة الطاغية تستبيح دماء الثوار، ودم المسلم على المسلم حرام، والحج ثورة على المعاصي والربيع العربي ثورة على الظلم، وفي الحج يلتقي الناس كلّهم سواسية وذلك يشبه التقاؤهم جميعا مهما اختلفت اتجاهاتهم وطبقاتهم في المسيرات والميادين لهدف واحد، وكثيرون يخرجون للحج ولكل غاية ولكل نية ولكل هدف لكن المناسك واحدة والقبلة واحدة والوجهة واحدة، منهم من ينال مبتغاه ومنهم من لا يناله ومنهم من تقبل حجته ويغفر له ومنهم من يرجع بخفي حنين، وكذلك الأمر في الثورات العربية فكثيرون يخرجون ولكل غاية ولكل نية ولكل هدف، لكن على الحاكم والنظام وإسقاطه يجتمعون، منهم من ينال مبتغاه ومنهم من يستشهد ويقبل ومنهم من يموت فطيسا ومنهم من خروجه كقعوده، يخرج للحج من استطاع إليه سبيلاً والثورات يخرج إليها من لم يجد سواها بديلاً، بعد عرفة نكبّر للعيد وبعد سقوط الحكام نكبّر للنصر". وطالبت المستطلعات بتثوير خطبة عرفة لتلامس هموم وطموحات المسلمين وتخرج عن التكرار الممجوج في كل سنة، أمّا في باب التندّر، فقالت النساء "الحجاج يودّعون الناس لأنّهم قد يخرجون ولا يعودون، وكذلك من يخرج في صف المعارضة في الثورة قد ينتظره نفس المصير، والحج يرحل بالذنوب والثورات ترحل بالكراسي، وفي الحج يضحّي الحجاج بالخراف وفي الثورات العربية يضحّي الحكّام بشعوبهم، والحكّام الطغاة مثل الشيطان مهما رجمتهم يظلّون يعكّرون عليك حياتك".
هذه الرؤى جميعا تثبت أن لا انفصال بين الدين والحياة، وأنّ العبادات هي الوقود الذي يذكّي سير المرء في حياته ويقوّمه ويجعل له بوصلة تسترشد بنور الله.
هي فرصة للمقيمين من غير الحجاج أن يمارسوا روح المناسك في الارتحال إلى الله وتجريد مقاصدهم إخلاصا له وإقامة الحدود والشعائر لإدارك الغاية العظمى برضى الله ومغفرته وإقامه شرعه والانتصار على شياطين النفس والدنيا.