أول ما سمعته في المسجد..كان يلقّب بالشيخ محمد نوح القضاة الواعظ الذي يحلّق في محبة الله ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم، ويتكلّم في الرقائق التي ترطّب القلوب وتهذّبها، وارتقى في سلم العلم فأصبح استاذا جامعيا، ثم فطن لوسيلة مؤثّرة من وسائل الدعوة فقدّم في التلفاز برنامجا وطّد له في قلوب الناس وعقولهم أرضا كان زرعها من قبله والده الشيخ نوح رحمه الله، فالكل رأوه زرعا طيبا من تلك الدوحة.
ثم أصبح وزيرا في وقت حرج يُنظر فيه للإصلاح في بلدنا كمهمة مستحيلة، ضمن معطيات الصلاحيات المحدودة واستشراء الفساد والسياسات الحكومية التي لا تسمح بإحداث تغييرات جذرية وتدوير السياسيين الذي يأتي بنفس الشخوص والأسماء والعائلات بغضّ النظر عن المؤهلات والإمكانيات والحاجات!
كنّا نودّ أن ينأى النماذج والقدوات بأنفسهم عن مواطن الشبهات، فالوزارة في وقتنا هذا لم تعد تكليفا ولا تشريفا وإنّما وصمة واغتيال لشخصية من يقبل بها أمام الرأي العام، والشعب يتندّر أنّ أهم إنجازات الوزراء لا تعدو تحصيل راتب تقاعدي، وفرصة مفتوحة للاستيزار مرة أخرى وأخرى.
نعم نخاف على الشيخ الواعظ الصوفي، ولولا تقديرنا له وحفظنا لعرى الأخوة التي توجب النصيحة لما نصحنا، ففي الوزارة كثر فقدنا الأمل بهم لا نوجّه لهم كلاما ولا سلاما، يجلسون على المقاعد لا يتركون أثرا ولا يخلونها إلاّ قصرا، أمّا شيخنا فيعلم كما نعلم، أنّ أجيالا من خيرة الصحابة أحجموا عن موقع الولاية وكان شعارهم «نفس تنجيها خير من إمارة لا تحصيها، والنفس قد تطلب الإمارة ثم تتوب فيعينها الله إمّا على أداء الأمانة أو الخلاص منها»، وما قبل سيدنا يوسف الوزارة إلاّ بعد أن مكّن له العزيز في الأرض وأطلق يده.
أمّا الشباب فمسؤوليتهم أعظم، فقد جعلهم رسول الله من أسباب نصر الأمة، وهم عماد النهضة وأساس قوتها، بصلاحهم تصلح الأمة ويُبنى الوطن، وإذا فسدوا فقد ضربت الأمة في مقتل، وقد وعى الصحابة أهمية الشباب، فكان أبو سعيد الخدري يلقاهم قائلا «مرحبا بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، أوصانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نوسع لكم في المجلس وأن نفقّهكم فأنتم خلوفنا وأهل الحديث بعدنا»، وإنّا لا نزيد في هذا المجال يا أستاذنا الفاضل إلاّ أن نذكّرك بما تعلم فإنّ الذكرى تنفع المؤمنين، ولقد كان يُسمع لك يا شيخ قبل الوزارة ويقتدى بك، وإنّا لندعو الله أن يبقى الحال على ما كان عليه أو يزيد إلى الأفضل، فلقد نصّبك الله مكانا قبل الوزارة هو أشرف وأعظم أجرا جعل فيه الحسن والمكانة والرفعة؛ «ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين».
وإنّك لتحمل إرث رجل جعل للدين قدسية وهيبة تعلو فوق كل صوت وكل منصب، رجل لم يستخفه متاع الدنيا ولا زخرفها ولا ألقابها، وإنّما استخدمها مطية لإعلاء كلمة الله، وكانت جنازته يوم ترك الدنيا لأصحابها بشرى من رب العزة بأنّ قبول أهل الأرض جزء من قبول رب السماء، وكان ما أقبل عليه خير مما تركه وراء ظهره.
أمّا الرواية الأخرى التي ضربها الله ذكرى لأولي الألباب، فلم يغن نوح فيها عن ابنه شيئا عندما ابتعد الإبن عن سيرة أبيه فقال الله لنوح «إنه ليس من أهلك».
ولكننا نظنّك من أصحاب الوفاء والعزيمة الذين يحفظون ويبرّون بالنبي نوح عليه السلام وبالأب نوح رحمه الله، لعلّ الله يجمعك بهما في جنة عرضها السموات والأرض أعدّت للمتّقين.
في زمن العدل ومحاسبة الرعية للراعي أوقفت خولة بنت ثعلبة الفاروق عمر بن الخطاب وأنزلته عن فرسه وقالت له: «يا عمر بالأمس عرفتك صغيرا ينادونك عميرا، فكبرت فأصبحت عمرا فكبرت فصرت أمير المؤمنين فاتق الله في الرعية».
نظن بك خيرا معالي الدكتور محمد نوح القضاة، والله حسيبك، ونمهلك لعلّ الله يجري على يديك الخير في أتون هذا الموج المتلاطم من الفساد، فإن رأيت أنّ الأمل فيها مفقود فأقل نفسك قبل أن تقال، تبقى لك شهادة عند الله وعند الناس.
أعانك الله على حمل أمانة ناءت بها السموات والأرض.