1- تاريخ أسود
ومضى القذافي إلى سوء مصيره، ولقي ما قدمت يداه، والآن يلتزم كتابه في عنقه، إلى أن يسوقه السائق والشهيد إلى مقره وبئس المصير. لا نريد أن نفتح كتابه الأسود، ولا الأخضر؛ فهو كتاب طافح بالسيئات والاعتداء والتجاوز والظلم والهدر، والبذخ الأسطوري الذي فاق أباطرة القرون الوسطى، وحمقى الحكام في العالم القديم والجديد.
هل نتكلم عن ليبيا التي مزقها وجعل أهلها شيعاً، رفع بعضاً، وخفض بعضاً، ليستقر له الحكم ويستقر هو في الحكم وإن تزعزع البلد وتوزع إلى شيع وجهات، وأعراق وهويات.
هل نتكلم عن فتن العالم العربي التي غذاها ومولها؟ هل نتكلم عن دعم التخريب في العالم كله؟ هل نتكلم عن تألهه وتطاوله على الله ورسوله والسنة والكتاب والتاريخ؟ هل نتكلم عن كتابه الذي سيحلّ مشاكل البشرية ويتجاوز الكتب السماوية؟ ملف حافل أسود، وتاريخ مليء مترع بكل أنواع الشرور، وقتل وتشتيت وتشريد وإعدامات وترويع..وقد بات كل هذا معلوماً.
2- محاولة تفهُّم دوافع الثوار لقتله.
ربما نحاول أن نلتمس عذراً للثوار الذين قتلوا القذافي وابنه المعتصم، فقد أبقوا "محمداً" ولده البكر في بيته إقامة جبرية فهرّبته كتائب القذافي، وربما لو علم مكان وجود القذافي مرتزقته وفلول كتائبه ربما اقتحموا المكان وقتلوا العشرات من الشباب واختطفوه وهرّبوه، خاصة وأنّ ليبيا لم تستقر بعد، ولست تثق تماماً بمن معك ولا تعرف تماماً من عليك. هذا مخرج نحاول به تفسير وتبرير ما جرى من الشباب.
اتجاه آخر في الاعتذار عنهم، أنّهم محتقنون موتورون، فما من أحد منهم إلاّ وهو موتور، له ثأر بقتل أخيه أو أبيه أو أحد من ذويه، أو سجنهم، أو تضييق معايشهم، أو ترويعهم أو تدمير منازلهم وخاصة مصراتة وزليتن والزاوية، وأنّه رفع تكلفة تحرر ليبيا إلى عشرات آلاف الشهداء، وعشرات المليارات من الدولارات، وجعل شعباً بأكمله يتطلّع بالدقيقة إلى وقت الخلاص بعد أن طالت المعركة وأرهقت وأزهقت من الأرواح وكلّفت من البنى التحتية.
وتبرير ثالث قد نلتمس به العذر لهؤلاء الشباب، أنّه ربما ضغطت دول الناتو على محاكمته لدى محكمة لاهاي، حيث لا إعدام لمثل هؤلاء المجرمين، فيكون القذافي قد فعل فعلته وخرج بعد محاكمة تستغرق سنوات بسجن مؤبد بمستوى خمس نجوم.
وسبب رابع نحاول به أن نتلمّس دوافع الثوار لقتله، ونتفهّم مبرراتهم لذلك، هذا السبب ما يرونه من محاكمة مبارك، وما يعتريها من مطمطة، ومن متاهات وألاعيب القضاء، وتباطؤ وتواطؤ وتلكؤ وردود وطعون و.. فتخلصاً من هذه الدهاليز والكواليس والمحترزات، فليتخلص من القذافي.
وسبب خامس ما يمثّله القذافي المتأله من رمزية في نظرية حوارييه ومتابعيه وعابديه ومفتونيه والغاوين من المشايعين من الذين كان عندهم استعداد لإبادة مئة ألف آخرين طالما بقي القذافي برمزيته على قيد الحياة.. فلاختصار زمن الحرب فليقتل هذا الرمز، والأقنوم، أو الصنم، ولتهدم هذه العزى التي عبدت من دون الله طيلة أكثر من أربعة عقود..
وأمر سادس أننا في عالم ثالث متخلّف، الفرد فيه هو محور القيادة والنظام والدولة والحكم والعهد، فطالما بقي الشخص، حتى ولو في السجن، فكأنّ عهده ما زال قائماً، فكان التخلّص منه في نظر الثوار مخرجاً.
ولعلنا نضيف أمراً سابعاً أنّ الحرص على أخذه أسيراً قد يكلّف ثمناً غالياً من الثوار، فقد يقتربون لاستلامه ويكون ملغماً كما أشيع عنه أنّه قد أحاط نفسه بحزام ناسف، وتبيّن أنّه دعاية، فصدرت لذلك الأوامر أن لا يحرصوا على تلقّيه أسيراً.
3- كنّا نتمنى محاكمته.
مع تفهمنا العميق لدوافع الثوار كلاً أو بعضاً، فإنّا مع كل هذه الاعتبارات كنا نتمنى أن يتم القبض عليه حياً وأن يقدّم للمحاكمة، وذلك أيضاً لاعتبارات عديدة:
أولها: أنّا لا نريد إعادة إنتاج مرحلة القذافي واستنساخ طريقته في الحكم والمحاكمة. ولقد حضرت شريط فيديو في بيت صديق لنا ليبي، في أمريكا في إحدى مدن ولاية كاليفورنيا قبل ثلاثين سنة، وقد حاكم مجموعة من سفلته وبطانته وزبانيته مجموعة من خيرة شباب ليبيا، جلّهم يحملون دكتوراة هندسة، وأولهم اسمه صلاح الدين، وقد جرت المحاكمة في الملعب البلدي، وكانت تستغرق محاكمة كل شخص أقل من دقيقتين وجوهر التهمة اعترافهم بالانضمام إلى الحركة الإسلامية، يعني "أن يقولوا ربنا الله".
أقول: القذافي أعدم المعلّمين أمام طلابهم في ساحة المدرسة بمحاكمات كالسابق ذكرها، فهل نفعل فعله؟ إنكم إذاً مثلهم!
المأساة أن يكون الثائر صورة عمن ثار عليه! ما الذي غيرناه إذاً؟ وما الذي نتوقعه إن كان المنهج هو المنهج؟ إنها تغيير حكام لا تغيير حكم!
ثانيها: إنّ العالم يرقبنا ويحكم علينا من تصرفاتنا. هل نحن متحضّرون أم متحدرون؟ هل جئنا للتغيير أم للتكرير؟ هل هذه الأمة صورة عن بعضها الجلادون والضحايا والأضاحي؟ هل نحن كما قال عنّا كتّاب صهاينة مجرمون، هل نحن كما قالوا من طينة واحدة؟ والحكام والمحكومون سواء واحد وسوية واحدة؟
أظن أننا أعطينا عن أنفسنا انطباعاً غير جيد، وأن دولة القانون منا بعيد، وأن الانضباط الثوري والشعبي ليس المتوقع وإنّما الفلتان هو المرجح. هل نسمح للغيظ والتشفي وشفاء ما في الصدور أن يطغى على روح العدل والمحاكمة والقانون؟
هل أحكام "الشارع" هي الأحكام التي ستحكم المرحلة القادمة؟ ألا يوغر هذا صدوراً، ويجيش عداوات، ويهيج أحقاداً، ويحرك ضغائن، ويخزن نفوساً موتورة ويحقنها بالثأر والانتقام؟
وثالثها: إنّ الانطباع الأول كثيراً ما يلازم الناس طويلاً، بل قد قيل: الانطباع الأول هو الأخير، وأخشى أن نحتاج إلى جهد طويل وزمن ممتد في سبيل إقناع الناس أننا نختلف عن انطباعهم الأول عنا.
ورابعها: أنّ الناس مطلوب منها قريباً تسليم السلاح، ولن يتسنّى هذا إلاّ بإرساء دولة القانون، فإذا كان الحكم للبندقية، والرأي للغضب والنزوات والثورات والثارات فلن يسلم السلاح، لأننا في دولة أخذ القانون بالذراع. وهذا أمر خطير.
وأمر خامس: أنّ القذافي مستودع أسرار وبير حكايا وخفايا، كان ينبغي أن تستكشف وتكشف علاقته ب"إسرائيل" والغرب، وسر تآمره على الوحدة وعلى العرب، وكيف زرع الفتنة بين العرب والطوارق، ولماذا غذى كل الثورات التي تسعى لتدمير العالم العربي مثل دارفور وجنوب السودان والشباب المجاهدين في الصومال، وثورة الجزائر؟ ما علاقته ببرلسكوني وساركوزي؟ ما علاقته ببلير؟ ما صلته وثورته بأمريكا وما علاقته بالموساد؟ ما قصة يهوديته؟ ما سر الدفاع المستميت عن الفاطميين؟ هل هي نزوة أم عقيدة ومذهب؟ أعبيدي هو؟
أسئلة كثيرة ستظل في بئر الأسرار لأنه قُطع حبل استخراجها!
وسابع الأمور: الأموال المهربة والمنهوبة والمخزنة في الغرب، ما مفاتيحها؟ ما أرقامها؟ ما مقدارها؟ ما مقارها؟ ما مستودعها؟ ما الدول التي توزعت فيها؟ ما الاستثمارات التي للدولة في الخارج؟ والاستثمارات التي للعائلة في الخارج؟ إن عقوداً تمضي بعد مضي الحكام الساقطين ولا تستعيد الأمة ثروتها أو ثروتهم.
كنا نود أن نراه في القفص مثل حسني وقد تجلل بالخزي والذل والعار والشنار بعد كل ذاك التأله والاستكبار.
4- وبعد..ما بعد القذافي؟
لئن كان العالم يرقبنا في مسألة إعدام القذافي بعين، فإنّه يرقبنا بألف عين في شكل الحكم القادم ونمطه ونوعيته. هل ننجح في التأليف بين الأجزاء التي باعد القذافي بينها؟ هل نعيد اللحمة إلى النسيج الاجتماعي عرباً وطوارق وغير ذلك؟ هل يتعايش الإسلاميون والليبراليون والعلمانيون؟ هل نمارس الإقصاء الذي مارسه القذافي؟ هل نعود إلى تسلط الفرد، الذي يبدأ مثل الخلق ثم ينتهي بادعاء أنه فيه من صفات الخالق.. كما كان القذافي وزبانيته يقولون للناس: هو فيه الله؟ القذافي هو الله. وقالها أتباع المنشار! تعالى الله عما يقولون!
هل ننجح في صياغة دستور عصري وقانون عصري؟ هل علماء الدين على درجة من السعة والسماحة بحيث يفسحون في صدورهم لكل الفئات ومستويات التدين؟!
هل ندفن مآسينا مع حقبة مرت سوداء وانقضت، ونفتح صفحة في علاقاتنا بيضاء جديدة؟ هل نكرر: اذهبوا فأنتم الطلقاء؟ هل نعيد الولاء للوطن والأمة والدين بدل القبيلة؟ يا أيها الليبيون الثوار الأحرار الشرفاء الشجعان المضحون.
التاريخ ينظركم والعالم يرقبكم، فاعملوا ما به تبيضون صفحتكم، وتزينون وجه ليبيا بعدما شوهه القذافي قذفه الله في النار. وأهم من التاريخ والعالم أن الله يرى ما تعملون فأقروا عين رسولكم بكم وعيون المؤمنين. وسلام على ليبيا والليبيين!