الترغيب والترهيب في أمر الزواج

نشر 22 أكتوبر 2011 | 12:25

 

كان من أبلغ وأبر ما تلقيته من النصائح والتعليقات، منذ أن بدأت الكتابة الإعلامية منذ ثماني سنوات بعد استشهاد طارق أيوب رحمه الله، نصيحة النائب السابق الاستاذ محمد عقل بعد مقالي بعنوان "لا، شيخنا لا ترفع السقف فإن الواقع واطئ" وكنت أظنه سابقا من أهل السياسة والحل والعقد فقط، الا أنه علمني أن الحياة كلها بحاجة الى سياسة ومداراة حتى تصل مراكبها الى شواطئ مرضاة الله ويستقر مقامها في جنات عدن، حيث لا هم ولا حزن ولا مشاكل بل حور عين لرجال الجنة.
 
وكان مما ذكره لي أني أبالغ قليلا في وصف واقع الحياة الزوجية وألبسها ثوبا سوداويا، وأزيد العيار في تقريع المتدينين مما قد يطفش الجيل الجديد من الإقدام على الزواج ويفتح لمتصيدي العيوب بابا لاتهام المتدينين.
 
وردي المتواضع على صاحب الخبرة والحنكة أن مقالي ذاك يأتي في سلسلة مقالات تزيد على مئة كتبتها عن الزواج ومقدماته وتوابعه والجوانب المشرقة والمظلمة فيه والقراء الذين يكرمونني بمتابعة ما أكتب، يعلمون أن المقال المشار إليه ليس منفصلا عن منظومة أفكار متكاملة أؤمن بها وأحاول نشرها، منها ما هو مستقى من الكتاب والسنة ومنها ما يستند الى الدراسات والأخبار وتجارب الأمم الأخرى التي قد يجد فيها المرء حكمة يمكن الأخذ بها.
 
وفي المقال المشار إليها استندت الى تجارب رأيتها وسمعت بها وقرأت عنها وهي ليست تأليفا أو محض خيال، والتجربة مهما توسعت مداركها تظل محصورة وقد يقابلها تجارب أخرى مختلفة تماما، ولكني أكتب عما أعلم وأدع ما أجهله
كما أن المقال كفن أدبي وشكل كتابي هو وجهة نظر الكاتب في قضية معينة، والكاتب يحاول إن أراد توخي الموضوعية أن يكون منصفا ولكنه ليس منزها تماما، وخير الكتاب من ترك الشخصي والخاص لمصلحة المجموع والمنفعة العامة وهذا ما أكد عليه الاستاذ عقل في نصيحته وأراني أتفق معه على ذلك.
 
ثم إن ما أكتبه في هذا الموضوع وجهة نظر امرأة، والمرأة أكثر عاطفية وحساسية فيما يتعلق بأمور الحب والزواج والأسرة، فهي على الأغلب كما يراها المجتمع الحلقة الأضعف والجناح المكسور، وأردت من المقال أن أخرج وجهة نظرها للعلن التي ربما لا تُسمع كثيرا أو تسمع بفم الرجل وتقرأ بقلمه، مع أن صاحبة الحاجة أولى بعرضها على الناس وأبلغ في توصيل قضيتها.
 
وقد عرض القرآن وتعرضت السنة لكثير من المشاكل الزوجية ولم يخفيا أو يواريا، ومنها قضية الظهار في سورة المجادلة، وقد وصفت خولة بنت ثعلبة معاملة زوجها لها بمنتهى البشاعة والعقوق "أكل مالي، وأفنى شبابي، ونثرت له بطني حتى إِذا كبرتْ سني، وانقطع ولدي، ظاهر مني ولي منه ولد؛ اذا ضممتهم له ضاعوا واذا ضممتهم لي جاعوا" وخلد الله سبحانه الحادثة لتقرأ على مر السنين كما خلد الحكم وطريقة الإصلاح، لتعود الحياة مبنية على المودة والرحمة كما أراد الله لها أن تكون. وفي حديث أبي زرع شكت النساء من أزواجهن وتصرفاتهم مر الشكوى، وأوضحوا بالتفصيل معاناتهن، ثم جاءت الصورة المشرقة في ذات الحديث والرسول صلى الله عليه وسلم يطمئن عائشة رضي الله عنها أنه الوفي لعهدها وحبها، على عكس ما مر من أمثلة الأزواج في الحديث. وهؤلاء كانوا مجتمع صحابة عايشوا الوحي والتنزيل، وكان الرسول بين ظهرانيهم يعلمهم ويؤدبهم، لم يدار القرآن أفعالهم حتى يكونوا درسا لمن بعدهم فيما يؤخذ به وما يُتجنب، وبمقابل كل حسن والتزام هناك بشاعة وظلم، والله هدانا النجدين لنختار أي الطريقين نسلك وأي المعيشتين نحيا بها.
 
نعم أستاذي الفاضل، لدي حرص يصل الى درجة الحنق أحيانا على المتدينين دون غيرهم، وأسأل الله أن أكون منهم، فأخطاؤنا عندما نخطئ ليست أخطاء فردية لا يُأبه لها وإنما هي أخطاء ينسبها الناس الى الاسلام، فلا يقال فلان أو فلانة أخطؤوا وإنما أخطأ المتدين والمتدينة، لذا فالحجة عليهم آكد والتشديد عليهم أوجب، والمحاصرة للأخطاء ألزم فهذا الإسلام يُصاب من قبلنا، وهذا ما لا يجب عليه السكوت بل محاسبة الذات علنا وعلى رؤوس الملأ اذا اقتضى الأمر، ذلك ليعرف الناس أن المتدينين ليسوا ملائكة وإنما بشر يصيبون ويخطئون، ويحاولون تتبع المنهج الرباني فإن أفلحوا فبتوفيق الله وإن حادوا فبذنوبهم
 
أما القراء من الشباب الذين حملني استاذي الفاضل مسؤوليتهم، فأفترض انهم على درجة من الوعي والنباهة ليعلموا أن لا شيء يكمل من أمر الدنيا، وأنها لا تصل الكمال حتى تبدأ في النقصان، وإن قرة العين لن تحصل الا في الآخرة، وقلت وأقول لهم إن الزواج آية من آيات الله وسنة من سيرة رسوله وشكل من أشكال العبادة، فقد قال طاووس اليماني: "لا يتم نسك الشاب حتى يتزوج" فهو عبادة نقبل بها على الله وسعادة في الدارين إن قمنا بحقه حق الإقامة، وحق الإقامة هو ما نغفل عنه عند التطبيق، وأمثلة الصلاح والسعادة كثيرة قديما وحديثا، فهذه أمة باق فيها الخير الى يوم القيامة، ولكن الزواج قد يكون ابتلاء أيضا كأي ابتلاء، إما أن يصبر عليه الإنسان أو يختار أن يغير الحال الى ما هو أحسن بأمر الله، ويبقى الدين هو رأس المال الذي نتاجر به، وهو ربحنا الوحيد فمن وفى فحسابه عند ربه "إن الله لا يضيع أجر المحسنين".
 
والله سبحانه تعهد بعون من يريد الزواج، أما الباقي عندكم أيها الشباب والخيار لكم إما نعيم في الدارين أو شقاء في الدنيا وحساب على التفريط في الآخرة.
 
جزى الله الأستاذ محمد عقل خير الجزاء على حسن النصيحة وكل القراء الذين يحرصون على تقويمي، وهدانا الله والشباب الى أن نكون خير سفراء لخير دين من أول ميدان البيت وبين الأهل الى ميادين الجهاد والعمل بين الناس، فمن حسُن خلقه في الخفاء مع أهله أصلح الله ما بينه وبين الناس وقربه إليهم.