قصة الواحد بألف

نشر 22 أكتوبر 2011 | 12:24

 

لا شك أنها مقارنة مؤلمة بين واقع الإنسان في إسرائيل والوطن العربي.. فبينما نرى دولة الاحتلال تفتدي أسيراً واحداً من أسراها بألف من الأسرى الفلسطينيين من بينهم مئات ممن يصنفون بأنهم خطيرون على الأمن الإسرائيلي، ولا يمنعها من إتمام هذه الصفقة كل ما يمكن أن توصف به من صفات الهزيمة والركوع والخضوع، نرى في المقابل الإنسان العربي بلا قيمة في بلاده فتجري دماؤه أنهاراً في شوارع وطنه، ويختطف لرأيه السياسي فيودع السجن دون أي حقوق أو ضمانات، وتمارس بحقه سياسة الإذلال الممنهجة حتى اضطر كثيرون إلى الفرار من بلادهم يبحثون عن مأوى كريم في بلاد الغرب..
 
لكن قصة الواحد بألف هذه ينبغي أن ننظر إليها من أكثر من زاوية، وليس من زاوية واحدة وحسب، حتى لا تكون الصورة مجتزأة..
 
الإسلام يأمرنا بالعدل حتى مع أعدائنا "ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا"، فالمسلم ينبغي أن يكون موضوعياً في أحكامه لا تجره العاطفة بعيداً عن العدل والإنصاف..والإسرائيليون لا شك أنهم أعداؤنا لكن العدل يقتضي ألا يعمينا بغضهم عن الموضوعية في فهم تركيبة مجتمعهم من الداخل بعناصر قوته وضعفه.
 
الإنسان في دولة الاحتلال له قيمته واحترامه فالدولة حريصة على توفير كل أسباب الرفاهية والرخاء لمواطنيها، والاعتقال السياسي جريمة في عرفهم، ولم يحدث في تاريخهم أن قتل إنسان لمجرد مخالفته للحكومة في الرأي، ولو لم تكن دولة الاحتلال تعلي من قيمة مواطنيها لما تحملت كل هذا الثمن الباهظ في سبيل إطلاق سراح جندي واحد من جنودها..
 
لا يعني قولنا هذا أن نتنياهو دفع الثمن من منطلق عاطفي وإنساني، أو أن قادة الاحتلال هم أرق أفئدةً وأنقى قلوباً من القادة العرب، فالسياسيون لا يعرفون العواطف، وإسرائيل الرسمية تود لو أنها تبادر بنفسها فتقتل جنودها لئلا يقعوا في الأسر ويضطروها إلى دفع  هذا الثمن الباهظ.. لكن العبرة هي بحيوية المجتمع والثقافة التي تحكمه وتجعل للإنسان كل هذه القيمة..هذا المجتمع هو الذي يشكل قوةً ضاغطةً على حكومته حتى يجبرها على دفع كل هذا الثمن لإرضائه..
 
لكن المشهد لا يمضي على إيجابيته إلى آخر الطريق، فمن زاوية أخرى تكشف (قصة الألف بواحد) عن عنصرية متجذرة في نفوس الإسرائيليين، فهم يحترمون الإنسان، ولكنه الإنسان اليهودي وليس غيره، أما الآخرون فينظرون إليهم نظرةً فوقيةً استعلائيةً..ولأنهم يعتقدون بتفوق العنصر اليهودي على غيره فإنهم يساوون الواحد منهم بألف منا، وإسرائيل ذاتها التي تحترم مواطنها اليهودي تمارس التفرقة العنصرية ضد مواطنيها من فلسطينيي الداخل، ولم تتوان في انتفاضة عام 2000 عن إطلاق الرصاص عليهم وقتل وجرح العشرات منهم..
 
هذه النظرة العنصرية لا تضيرنا شيئاً، فإذا كانت إسرائيل تنظر إلى الفرد الواحد فيها بأنه يساوي ألفاً فهذا شأنها وهي من سيدفع ثمن كبرها واحتقارها للآخرين باهظاً "إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه"، ولكنه لن يغير من الحقيقة شيئاً بأن الله خلق البشر متساوين من تراب لا فرق بين أبيض وأسود.
 
حين ننظر إلى القصة بعيون أم أسير تنتظر منذ عشرين أو ثلاثين عاماً لحظة اللقاء لا تهمنا مثل هذه النظرة، فليس من المنطقي أن نقول للاحتلال:شكراً لكم احتفظوا بأسرانا لأن كرامتنا تأبى علينا أن يكون ألف واحد منا بواحد منكم، فالمحصلة النهائية هي أننا ربحنا حرية ألف من أسرانا.
 
بل إننا نتمنى لو أنهم يزدادون عنصريةً فيصير الواحد منهم بسبعة آلاف منا وليس بألف وحسب، حينها ستفيدنا هذه العنصرية فنطلق سراح كل أسرانا بضربة واحدة، فمن الرابح ومن الخاسر؟!، وماذا ستغني عنهم عنصريتهم وغرورهم؟؟..
 
بالإضافة إلى الجانب النفسي في المسألة لا بد من الإشارة إلى الفروق الموضوعية بيننا وبينهم، فإسرائيل وهي القوة المسيطرة على الأرض تستطيع بسهولة أن تعتقل آلاف الفلسطينيين في ليلة واحدة، وذلك بخلاف المقاومة الفلسطينية التي بالكاد تتمكن من أسر جندي واحد كل عشرة أعوام أو يزيد، لذلك فإن دلالة الفرق بين الواحد والألف ليست مهينةً لنا في كل جوانبها، فلو كنا نملك القدرة التي تمتلكها إسرائيل على أسر الآلاف منهم لقبلنا بمبادلة الجندي بأقل من ذلك بكثير، وإسرائيل كونها صاحبة القوة العسكرية والاستخبارية فإن أسر واحد من جنودها يعد إحراجاً بالغاً لها بخلافنا نحن الطرف الأضعف الذين لا يسيء إلينا أن يعتقل عشرات الآلاف منا..
 
مع كل ما تقدم فإن معادلة واحد مقابل ألف غير متفق عليها إسرائيلياً وهناك دعوات بارزة من قبل وزراء وأعضاء كنيست لتغيير قواعد اللعبة ليصير واحد مقابل واحد، وهذا يعني أن قيمة الإنسان الإسرائيلي ليست مطلقةً إلى آخر حد، وأنها قابلة للمساومة..
 
تبقى الغصة كما أسلفنا في إهانة الإنسان العربي في بلاده، وإرخاص ثمنه إلى أبعد مدى..
 
والله المستعان..