1- الشعوب مستودع للطاقات
تختزن الشعوب مخزوناً هائلاً من الطاقة لا يمكن تخيله. وقد يُظن لبعض الوقت أن النفوس أجدبت، فإذا نزل عليها مطر الفرح، كما عبر بعض أهل غزة، اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج.. وأخرجت من المخزون ما أدهش وأنعش، وفاجأ الناس إلى حد الذهول!
هذه الطاقات تحتاج إلى مناسبة ضخمة وظرف موات ولحظة تاريخية لتنطلق من عُقُلها وتتغلب على عوائقها وكوابحها وموانعها. فالإحباط مدمر الطاقات، واليأس قامعها، وتراكم القهر والفشل يخنقها، والتنازع والاختلاف يغوّرها في أعماق النفس كما يغور الماء في أعماق الأرض وطبقاتها السحيقة، فيحتاج إلى روافع ضخمة لتعيده إلى السطح من جديد.
هذه الطاقة هي ما يرهب العدو، وهي ما ينعش الأمل ويرفع المعنويات ومن رأى الناس أمس (أعني يوم الثلاثاء البهيج)، رأى عجباً. هؤلاء الناس أين كانوا؟ أهم الذين كنا نحسبهم قد غيبتهم عن الحياة هموم الحياة، وعن قضايا الأمة ما يعيشونه من كرب وغمة؟ وإذ بهم يختزنون طاقة فرح، وطاقة حبور، وطاقة عطاء، تفوق كل تصور وتتغلب على كل توقع.
هذا هو شعبك يا من شردت عن اليقين –بعد الله- بهذا الشعب. يا من غسلت يدك من عودته إلى حياة القوة والمنعة والعزة والعطاء والإباء، ها هو يفاجئك ويفاجئ العالم بهذا الحضور المهيب.. سلمت يا شعب ووقيت وبقيت مستودعاً للعطاء والطاقة والقدرة.
2- يوم من أيام الله
لعل وصف إسماعيل هنية لهذا اليوم الأغر الأعز أنه يوم من أيام الله، يختزل كثيراً من الكلام ويختصر كثيراً من التفصيل والشرح الطويل. وإنه والله كذلك.
هو يوم من أيام الله لأنه نصر نفسي ومعنوي وروحي وفكري واستراتيجي واجتماعي وتاريخي.. في زمان تراكمت وتتالت علينا فيه نوبات من المصائب والمصاعب والنوائب، فيأتي هذا اليوم، كيوم دافئ في أيام صقيع متتالية جمدت كل شيء، وأخمدت كل جذوة، فيأتي مثل هذا اليوم فينعش الآمال وتتنفس الأحياء، وتتفتح الأزهار..
هو يوم من أيام الله لأن الله أذل فيه دولة الغطرسة والكبر والهيمنة، دولة لا ترى أمامها ولا فوقها أحداً، ولا تعتبر قوة في هذا الوجود نداً لها، فترضخ هي لشروط شباب، لا دولة ولا مقدرات لهم ولا موازنة ولا موارد ولا أرصدة ولا أسلحة ولا مساحات.. قل لي إذاً من الذي حقق هذا النصر؟ إنه الله. من الذي أذل الطاغوت المتغطرس نتنياهو الذي يرهبه جل زعماء العالم؟ إنه الله. من الذي جعلهم يوافقون على هذه الصفقة المهينة لهم والمذلة لهم؟ إنه الله. من الذي ألقى في قلوبهم الرضوخ والتسليم والاستكانة؟ إنه الله. فهل عجب أن نعدّ هذا اليوم الذي ما عملت فيه إلا يد الله هل عجب أن نعده يوماً من أيام الله؟ لا والله. وإنما العجب من لا يعده كذلك.
إنه يوم من أيام الله، لأنه حقق الوحدة التي يحبها الله ويأمر بها الله وما استطاعت جهود ولا مؤتمرات ولا لقاءات ولا وساطات أن تحققها فمن حققها؟ إنه الله. فهو إذاً يوم من أيام الله.
3- موج في بحر من البشر
من الذي أخرج هذه الجماهير بمئات الآلاف إلى الشوارع؟ إنه شعور النصر، ونشوة الظفر، وإحساس القوة، والفرح بقمع العدو، والسعادة بالحرية والأحرار والشرفاء. إنه إدراك معنى الحرية وقيمتها وغلاوتها وظلم السجن والسجان، وظلماتها.
بالله قل لي كيف تكون ردة الفعل لو جاء البشير بتحرر الأقصى؟ ما الذي سيجري في العالم الإسلامي والعالم برمته؟
لو وجدت هذه الأمة قيادات توظف ما أودع الله فيها من طاقات لاستعادت الأقصى وما وراء الأقصى إلى آخر ما يخطر ببالك. لقد أعطانا الله مئات ملايين من أعظم الشعوب وأنقاها معدناً وأصلبها عوداً، ولكن هذه الجماهير، لم تجد الربان الذي يجري سفائن الحق في بحور هذه الحياة.
هذه القوة، وهذه القدرة، وهذه الطاقة، ما أجدرها وأحقها بقيادات ترتقي إلى مستواها، فتحرر بها لا فلسطيننا فحسب ولكن الإنسانية الشقية بهذه الرأسمالية العتية الشقية.. بعدما زالت المادية الديالكتيكية الجدلية، وانفردت بالساحة على مستوى الكرة الأرضية، هذه الرأسمالية المادية الجشعة البشعة، من الذي يخلص الجماهير الإنسانية في الأرض قاطبة، وقد قامت تصرخ في وجه نظامها الرأسمالي بعدما تعلمت الثورة من شعوبنا، وتعلمت الصرخة في وجه الطغيان من أمتنا. من يديم هذا التوجه ويدعم هذه الروح؟
الضفة التي كان التجمع فيها جريمة نكراء، والتظاهر مما لا يغتفر، تخرج في عرس فلسطيني عربي لا أبهى ولا أجمل ولا أحلى ولا أروع، وإذ بالموج البشري يهدر بما لا يستطيع على احتوائه أحد ولا يقوى على ردعه بشر.
يا هذا البحر من أطلقك؟ يا هذا الموج المرسل من أرسلك؟ يا هذه الشمس الطالعة من غيب ومن غيم ومن ضيم من جلاك؟ يا هذا النهار الأروع من أطلع صبحك؟
لك الحمد يا مولانا العظيم على ما أيقظت فينا من راقد الإحساس وكامن الفرح، وعلى ما بعثت من ينابيع الأمل في هذه الصحراء العربية في هذه الحقبة التاريخية، لك الحمد على جودك الذي لا يحد ونعمائك التي لا تعد.. ومن أجلّها وأعظمها أن أيقظت هذا المارد، وأطلقت هذه الطاقات من بعد انحباس واحتباس وانطماس..
هذا المد الثوري الذي انبعث مارداً جباراً في نفوس الجماهير ما كان له أن يتدفق هذا التدفق، ولا أن يجيش هذا الجيشان لولا الحدث الكبير الذي صنعته –بفضل الله- السواعد المقتدرة، والعقول النيرة.
ما كان لهذا البحر أن يرتفع مده ويعلو موجه ويجيش بهذا المد من البشر لولا الشعور الملتهب الذي فجر حماسته هذا الجهد المبرور والجهاد الموصول. فسلمت السواعد التي كانت وراء النصر الذي كان وراء هذا المد وهذا الطوفان.
4- احرسوا هذا الفرح
"قد يعلم الله المعوقين منكم" كلمة قالها مولانا في كتابه الحكيم، ليحذرنا أن من بيننا معوَقين معوِقين (بفتح الواو وكسرها)، وفينا من المشككين، ومن ينفخون على شموع الفرح ليطفئوها، لأن عيون الخفافيش لا تطيق النور، ولا عيون البوم تحب الضوء..
هؤلاء المشككون المثبطون، مع عدو لئيم ماكر، إبليسي الكيد، سيعملون فريقاً بلا كلل، لينفسوا هذه العزْمة والفرحة والبهجة.. بل النصر.. سيقولون ما نتوقع وما لا نتوقع. ما يخطر بالبال وما لا يخطر بالبال لإحداث البلبال وتفكيك هذا البناء الرائع البديع الفائق الجمال. وإذا كثر المشوشون تشتت الذهن وتشكك ضعاف اليقين.
فاحرسوا شمعتكم وفرحتكم، وأديموا العزائم في اتقاد، والمد في ازدياد، لا تعودوا إلى سالف العهد بالرقاد، فما أحوجنا إلى المحافظة على الجذوة ألا تنطفئ والمد ألا يتحول إلى جزْر.. والنجم ألا ينكدر. والقمر ألا يصيبه خسوف الشك والارتياب.
أيها الأحباب، زرعتم زرعاً فاحفظوه من العاديات والرياح العاتيات. احرسوا هذا النصر، واحرسوا هذه الروح ألا تتراجع، وهذا الفيض ألا يغيض.
والفكر والكلمة والوعي والإيمان أكبر ضمان لدوام هذا المد وبقاء الأمل. ووحدة صفكم وأخوتكم من أهم حماة هذا الفرح وحراسه.
لقد قتلنا الحزن والكمد الذي طال به الأمد. والآن حان وقت الفرح: "ولا تهنوا ولا تحزنوا" "قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا".
5- أحييتم قضية فلسطين
هذه القضية المقدسة يحرص القريب والبعيد أن تنزوي بعيداً في الأغوار السحيقة من الفكر والنفس والإعلام، وأن تغيب عن الشهود والوجود. ويأبى الله إلا أن تظل حاضرة عتيدة مقاومة عنيدة باقية حية مجيدة.. فيهيئ الظروف التي تبقيها على هذا التوهج والاشتعال والحضور والبهاء. فكان آخر ظرف دفع قضيتكم إلى بؤرة الاهتمام في العالم: قضية تحرير الأسرى.
من قال إن العالم سيعود إلى قضيتكم بكل هذا الحضور وهذا التوقير وهذا الاهتمام والاحترام.
إن العالم لا يحترم إلا الأقوياء، ولقد كنتم كذلك، فكسبتم احترام العالم. ولا تحيا إلا القضية التي يقف وراءها رجال أشداء، وقد وقفتم خلف قضيتكم، فأحييتموها بعزمات الرجال وهمم الأبطال.
أحيا الله قلوباً أحيت قضية مسرى النبي. وأحيا الله نفوساً بعثت من مرقدها أقدس وأخطر قضايا المسلمين.
قوى الله السواعد التي أوصلت هذه القضية وعدالتها إلى كل بقاع الأرض. فما للإعلام شغل إلا هذه القضية.
صحيح أنهم يركزون على شاليطهم، لكنهم ضمناً يلفتون الأنظار إلى مظلومية شعب يقبع كله في سجن كبير وآلاف منهم في السجن الصغير.
لقد انتبهوا إلى الشعب المقاوم والمقاومة التي احتفظت بها الشاليط خمس سنين.. فبهر العالم بهذه القوة الوليدة التي أذلت القوة العنيدة.
وختاماً.. أقول: إن المجرمين أرادوا بإبعاد بعض الأسرى أن يشتتوكم، فأحيوا قضيتكم في كل بلد بعثوا إليها بأسير. فالحمد لله على هذا التدبير.. الذي هو من صنع الخبير القدير.. سبحانه. وإن بدا أنه مكر من هذا الشعب الشرير وصدق الله: "ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله" "ويمكرون ويمكر الله".
ويا أقصانا الحبيب أنت الأسير القادم تحريره في الخطوة التالية بإذن الله.