مشهد العناق

نشر 20 أكتوبر 2011 | 08:15

 ليس من أحد بحاجة إلى الحنان أكثر من الذي حُرم منه سنينا طويلة مع أنّه موجود ولكن الوصول إليه مستحيل كما لو كان مفقودا!

 

 حضن الأم، ذاك الذي يعدّ مسلّما وجوده لأغلب الناس إلاّ فئة الأيتام، حُرم منه أطفال فلسطينييون عندما غيّب أعداء الإنسانية أمهاتهم في ظلمات السجون!

 

 ملهوفات، مقهورات، مكلومات هرعت بنات السجينة المحررة ايرينا سراحنة لعناق أمهن التي أماتها الاحتلال في حياتهن وهي حية ترزق! كان مع دموع الفرح دموع ألم متبادل، فماذا يرجع لكل السجينات وأطفالهن بهجة وذكريات أول سن، أول طعام مطبوخ، أول خطوة، أول كلمة ماما، أول يوم مدرسي، أول شهادة، كلها خصوصيات بين الأم وأطفالها تجعل بينهم حبلا غير منفصم وتجعلنا أطفالا في نظر أمهاتنا مهما كبرنا، إلاّ أنّ الحضن رجع ليجبر الخواطر وليؤكّد أنّ الأيام القادمة بإذن الله ستحمل فرحا وعوضا عن سابق المعاناة.

 

 أمّا العناق في المناسبات الرسمية ومع الشخصيات الاعتبارية وبحسب البروتوكلات الدولية، فغير وارد البتة، إلاّ أنّ استقبال قادة حماس للأسرى المحررين كان على عظمته وضخامته استقبال الأخ لأخيه، استقبال من يستصغر نفسه أمام تضحيات الأسرى، استقبال من يعتذر لهم عن طول معاناتهم، استقبال من هدأ روعه وفرح خاطره بتحريرهم، فقد كانوا ألما يؤرّق المضجع، كان استقبال المشارك في صناعة الحدث وليس المتفرّج من الشرفات، كانت دموع القادة دموع النائحة الثكلى، فهم وإن كانوا أحرار إلاّ أنّ روحهم كانت مع الأسرى في سجنهم وكانت تشارك عائلاتهم خارج السجن همومهم.

 

 عناق القادة للأسرى حمل معان ومعان ومعان؛ كان أكثر من عناق بشري بين بشر، كان عناق الوطن لأبناءه والتاريخ لأبطاله، كان عناق الماضي والحاضر والمستقبل، كان عناق الشهداء الذين صدقوا الله ما وعدوه، وعناق الرجال الذين ما زالوا ينتظرون على العهد ما بدّلوا تبديلا.

 

 في احتضان أبو العبد للأسرى واحتضانهم له معان ومعان ومعان؛ يشكرونه، يقول لهم بلا كلام بل أنتم أهل الفضل والشكر، يقولون له: لم تنسونا، يقول لهم: لم تغيبوا يوما عن بالنا، يقبّل فيهم التضحية ويمسح عن وجوههم المرارة، يقبّلون فيه الإصرار والكبرياء، سنوات من الدموع والدماء والليالي المقفرة شاهدنا حكايتها في أحضان وعناق وسجود شكر على أرض فلسطين.

 قبّلوا جباههم المتوضأة الغرة المحجلة، عانقوا عزائمهم التي لم تنحن، عانقوا إرادتهم التي كانت معلّقة بأمل ربّاني يتعالى على عداد السنين وأحكام المؤبّدات.

 

 كان العناق مشهدا غريبا، فالكلّ يريد قطعة من هذا الأسير، أقرباؤه بالدم والنسب والقضية والانتماء، الكل يريد أن يعانق ما يمثّله الأسير، والأسير وجد نفسه فجأة في بحر من المشاعر الحميمة وهو الذي كان قبل فجر يوم التحرير لا يجد لوحدته مؤنسا ولا لكربه مفرجا ولا مع غربته صاحبا إلاّ الله ومصحفه وسجادة صلاة، يبثّها الهم والوجع، كما بثّ يعقوب عليه السلام ربّه أحزانه فقال: «إنّما أشكو بثّي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون»، بثّ جاء بالفرج وأخرج يوسف من السجن على قوة وتمكين ورفعة شأن.

 كل عبارات الحب التي نتبادلها نحن السادرون في الهناء الدنيوي والدعة والراحة ربما ليست ذات معنى في قاموس امرأة انتظرت زوجها 30 سنة وحفظت أمانة بيته وغيبته بأفضل ما يكون الحفظ، فهذه وإن عجزت عن قول الحب وعجز هو عن الردّ، فإنّ في أفعالهم طوال سني السجن ما يشبه المعجزات.

 

 ولكن ماذا عنا؟؟ ماذا عن الأحضان التي سنبقى نحن محرومين منها، ونبقى شهداء من غير شهادة، ومراقبين من غير شراكة ومتطفّلين على عتبات النصر؟! متى سنسجد على أرضها فاتحين ونصرخ في سماءها مكبّرين؟؟ متى سنعانق أرض فلسطين؟

 وهل يعوّض العناق سنوات الحرمان؟

 

أعانقها والنفس بعد مشوقة       إليها وهل بعد العناق تداني؟

كأنّ فؤادي ليس يشفي غليله     سوى أن يرى الروحين تمتزجان