كثيرة هي الأوصاف التي أطلقتها النخب الإسرائيليَّة على صفقة تبادل الأسرى التي وقعتها حركة حماس مع إسرائيل، والتي ضمنها سيتمُّ الإفراج عن 1027 أسيرًا فلسطينيًّا مقابل الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، الذي أَسَرَته المقاومة الفلسطينيَّة قبل أكثر من خمس سنوات، فهناك من وُصف الصفقة بـ"اتفاق الخنوع"، على اعتبار أنها الصفقة التي أطلقت إسرائيل ضمنها العدد الأكبر من الأسرى مقابل جندي إسرائيلي واحد، صحيح أن الرأي العام الإسرائيلي ظلّ بمجمله يؤيد الصفقة ويبدي تضامنًا كبيرًا مع عائلة شاليط، والذي وجد تعبيره في مظاهر الفرح والتضامن مع العائلة التي وثقتها وسائل الإعلام الإسرائيليَّة، لكن في المقابل هناك الكثير من النخب التي أبدت اعتراضها الشديد على الصفقة.
تهاوي الردع
أحد أهم المسوّغات التي قدمتها النخب التي تعارض الصفقة بشدة التأكيد على أن هذه الصفقة ستعمل على تهاوي الردع في مواجهة المقاومة الفلسطينيَّة، ويقول موشيه يعلون، نائب رئيس الوزراء ورئيس هيئة الأركان السابق، أحد الوزراء الثلاثة الذين عارضوا الصفقة لدى التصويت عليها في الحكومة أن مثل هذه الصفقة ستشجع الشباب الفلسطيني على الانخراط في أُطر العمل المقاوم، على اعتبار أنه عندما يعي الشاب الفلسطيني أنه سيتمّ تحريره من السجن مهما كانت التهمة التي أُدين بها، فإن هذا سيجعله يقدم على العمل بكل طمأنينة.
ويرى يعلون أن الصفقة ستؤدي حتمًا إلى تعزيز المقاومة الفلسطينيَّة بشكل جذري، حيث يضرب مثالًا واحدًا على طابع القيادات التي سيفرج عنها، ويشير إلى يحيى السنوار، أبرز قادة الأسرى الذين سيُفرج عنهم في الصفقة، ويصف يعلون السنوار بأنه أبرز عقليَّة للمقاومة الفلسطينيَّة، محذرًا من أن الإفراج عن مثل هذه القيادات سيمثل سهمًا مرتدًّا إلى نحر إسرائيل ومستوطنيها، ويستند المعارضون للصفقة إلى إحصائيَّة قدَّمها جهاز المخابرات الداخليَّة "الشاباك"، والتي توضح أن حوالي 62% من الأسرى الفلسطينيين الذين يتمّ الإفراج عنهم في صفقات تبادل الأسرى يعودون للانشغال بالعمل المقاوم، في نفس الوقت فإن النخب التي عارضت الصفقة تشير إلى الجانب الرمزي في الصفقة، والتي تكرس الانطباع بأن إسرائيل ونخبها الحاكمة لا تفهم إلا لغة القوة والقوة فقط، مما يستدعي من القوى الفلسطينيَّة مواصلة الاستثمار في مجال مراكمة القوة على اعتبار أنه الخيار الأمثل في مواجهة إسرائيل.
حماس وأبو مازن في ظلال الصفقة
إن أحد أبرز الانتقادات التي توجَّه للصفقة تقوم على أساس أن هذه الصفقة تمثل دفعة هائلة جدًّا لحركة حماس وتعزيزًا لشعبيتها أمام الرأي العام الفلسطيني، في الوقت الذي تمثل ضربة قاصمة لأبو مازن وإضعاف لمكانته السياسيَّة، ويرى الكثير من المعلقين الصهاينة أنه على الرغم من أن التحرك الذي أقدم عليه أبو مازن في الأمم المتحدة ومطالبته بحصول فلسطين على عضوية الجمعيَّة العامَّة للأمم المتحدة، إلا أن هذا لا يعني أن تسهم إسرائيل تحديدًا في تعزيز مكانة حماس على حسابه عبر التوصل لصفقة تبادل أسرى على هذا النحو، على اعتبار أن أبو مازن يرفض المقاومة المسلحة وحتى المقاومة الشعبيَّة التي تمثل تحديًا لإسرائيل، من هنا فإن هناك الكثير من الأفكار التي تطرح إسرائيليًّا لمعالجة الأمر، حيث أن هناك من يدعو إلى إطلاق سراح أسرى فلسطينيين والتشديد على أن هذه الخطوة تأتي من أجل تحسين مكانته، لكن مثل هذا الاقتراح صدر بشكل أساسي عن إعلاميين ومعلقين وجنرالات متقاعدين، ولا توجد مؤشراتٌ على أن النخب الحاكمة ستتبنَّاه حتى الآن.
لماذا الصفقة؟
على الرغم من كل المحاذير التي تمَّت الإشارة إليها، إلا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي عارض الصفقة في الماضي بكل قوة وجد أن هناك من الأسباب الوجيهة ما يستدعي التوصل لهذه الصفقة، ويمكن رصد هذه الأسباب على النحو التالي:
1- انعدام فرص تحرير شاليط بالوسائل العسكريَّة، وهذا ما عبَّر عنه يورام كوهين رئيس جهاز "الشاباك"، حيث أن إسرائيل فشلت في الحصول على معلومات استخباريَّة تساعد على تنفيذ عمليَّة التحرير، في نفس الوقت فإن جميع المستويات العسكريَّة ذات العلاقة قد أكَّدت أن الحصول على المعلومات الاستخباريَّة لن يضمن تحرير شاليط على قيد الحياة.
2- التحولات الهائلة التي يمرُّ فيها الوطن العربي في عصر ثورات التحول الديمقراطي والتي جعلت القيادة الإسرائيليَّة تخشى أن تؤدي هذه التحولات إلى إسدال الستار على أي إمكانيَّة للإفراج عن شاليط، فعلى سبيل المثال تدرك إسرائيل أن الجانب المصري لعب دورًا حاسمًا في التوسط للتوصل لصفقة شاليط، وفي نفس الوقت لا يوجد هناك ضمانة أن تبقى صيغة الحكم القائمة حاليًا في مصر لأمدٍ بعيد، حيث تخشى تل أبيب أن تسفر الانتخابات التشريعيَّة والرئاسيَّة القادمة في مصر عن مجيء حكومة تناصب إسرائيل العداء بشكلٍ واضح، وبالتالي لن يكون من مصلحة هذه الحكومة التوسط من أجل إطلاق سراح شاليط.
3- التعاطف الجماهيري الواسع داخل إسرائيل مع شاليط وعائلته، في نفس الوقت فإن هناك مخاوف من أن يؤدي بقاء شاليط في الأسر إلى تراجع الدافعيَّة لدى الشباب الإسرائيلي للتطوع في الوحدات القتاليَّة للجيش الإسرائيلي.
4- هناك من يعتقد أن حماس نتنياهو ووزير حربه إيهود باراك للصفقة يرجع بشكلٍ أساسي إلى نيتهما مهاجمة إيران، على اعتبار أن هذه الخطوة تتطلب تنظيف الطاولة من كل الملفات، وضمنها ملف شاليط، على اعتبار أنه سيكون من الصعب تحرير شاليط في أعقاب مهاجمة إيران.
قصارى القول أن هناك جملة من الظروف التي دفعت نتنياهو والنخبة السياسيَّة الحاكمة في تل أبيب لإعادة تقييم موقفها من صفقة تبادل الأسرى، مع العلم بأن نتنياهو في كتبه ومقالاته اعتبر صفقات تبادل الأسرى مع الفلسطينيين تمثل أخطر مصدرٍ لدفع الفلسطينيين لمواصلة النضال ضدَّ إسرائيل.