مدخل:
لم يقبض على القذافي بعد، ولم يقبض على أحد من أولاده بعد، ولكن نستطيع أن نقول بكل تأكيد: لقد سقط نظام العقيد معمر القذافي.. قائد ثورة الفاضح من زفتمبر.
ومن المحتمل جداً أن يكون القذافي غادر ليبيا إلى دولة إفريقية أو يتربص على الحدود بانتظار مفاجآت ليكون قريباً من المفر والمهرب، أو العود كما يتوهم.
فهو على كل الأحوال منته من الناحية العملية ونظامه بائد، بل بدأت محاكمة عهده وتجميع شهادات شعب عانى القهر طيلة أقل قليلاً من نصف قرن، وهو زمن يكفي لبناء دولة بحجم قدرات الاتحاد السوفياتي لو وجدت قيادات صالحة حكيمة قوية أمينة.
ومع السقوط المدوي لنظام كان يسمي نفسه ثورة وحركة جماهيرية تقدمية واشتراكية ونظرية ثالثة، وكما قالوا: ما أكثر أسماء الهر! أقول: مع هذا السقوط لا بد من وقفة والتقاط بعض الدروس، واقتناص بعض الفوائد والعبر:
1- إذا الشعب يوماً أراد.. فلا بد أن..
هذا ثالث زعيم عربي يطاح به، ولكل سقوط خصوصيته "ونكهته" وعبرته. والثالوث طاغوتي متسلط متأله، وربما يكون هذا أعتاهم، وكل أضلاع المثلث عات ومتعنت وعتل وعته وعرم وعتريس وعتريف (الفاجر). ماذا نقول؟
وقد تكلّف شعبه حتى الآن أكثر من بقية شعوب الحكام الساقطين تكلفة ضحايا، فقد بلغ ضحايا سقوطه ما نيف على الخمسين ألفاً من الشهداء سوى جيش من الجرحى، وآلاف المباني المهدمة والبنية التحتية المحطمة.
وبينما سقط مبارك مقابل ألف شهيد إلاّ قليلاً، سقط "الشين" مقابل مئات قليلة من الشهداء، فالتكلفة في ارتفاع نتيجة وعي القوى الخارجية على خطورة التغيير، فقاموا يدعمون سراً كل هذه العفونات وإن "زعبروا" عليها في الظاهر وطالبوها بالتنحي، كما تقول هيلاري عن نظام الأسد، وهم وعملاؤهم يدعمونه سراً ويحرصون عليه أشد الحرص، ويحرصون ألاّ يسقط لحراسته أمن "إسرائيل" بكفاءة واقتدار.
وأما "تنح" اليمن فيتأبّى على التغيير ويتمسّك بيديه المعطوبتين بكرسيه ويتشبّث بالمنصب، ولا يريد أن يسلّمه إلاّ لأيد أمينة، كيده، شلت يده.
فعبرتنا هنا أن الشعب إذا أراد يوماً تغيير النظام، فلا بد أن ينجز ما أراد. فالمستعصون والمستعصمون بمناصبهم، الظانون أنّهم مانعتهم حصونهم وأرصدتهم وأجهزتهم وشبّيحتهم وبلاطجتهم من التغيير ومن ريح المقادير وقد هبت، فهم واهمون ولا يفهمون.
2- تكلفة غالية في إبان حكمهم وفي تغييره.
كم كلف جنون القذافي شعب ليبيا؟ كم تكلفوا من الدماء والشهداء، والمساجين، والمعدمين في السجون، ومن البلايين المهدورة بالمئات، وكم ضاع من عمر الأمة من العقود والسنوات؟
تكلفة غالية في سنوات حكمه الماضية، وتكلفة عالية جداً في تغييره، ولكنها ضريبة لا بد منها. وفي يوم كتابة هذا المقال أسمع في (البي بي سي) خبراً في نشراتهم كرروه أنّ تكلفة الربيع العربي تفوق الخمسين مليار دولار، وليكن، فما تكلفة الخريف العربي الذي سبق الربيع العربي؟ ألم يكن نظام مبارك يدعم كيان العدو بقرابة العشرة مليارات توفيراً في أثمان الغاز والنفط وغير ذلك؟ ألم يقزّم مصر لصالح كيان العدوان؟ بكم تقدّر تلك المحطة (بي بي سي) تكلفة الحرية والاستقلال؟
إن ثمن الاستقلال لا يقدر بكل المال، وبلاييننا ضائعة على كل حال، وإن خسرناها وكسبنا الاستقلال فلم نخسر شيئاً، ولئن قيل للصديق رضي الله عنه حين فارق الدنيا: طبت حياً وميتاً.. فسيقال للزنديق المسمى "قذاف الدم والموت": كلفت الشعب والأمة رهقاً في حياتك ومماتك، فبئس الحياة حياتك وبئس الحكم حكمك وبئس الممات مماتك، وغير مأسوف عليك ولا مذكور إلا باللعن والثبور، والدعاء عليك بأن يكون مصيرك مع فرعون وقارون وهامان وبيجن ورابين وشارون.. وبئس المصير.
3- فرد يختزل أمة.
ما زال العالم العربي يعيش مرحلة تحكم الفرد وإلغاء الشعب وتهميش الأمة والوطن بالطبع. ولعل أسوأ كل هذا السيء من الأوضاع وتغول الفرد وتوحشه وهيمنته وسيطرته مع قلة الموهبة وانعدام القيم، لعل حضيض الحضيض في الأوضاع العربية المتدهدهة في الحضيض هو معمر أو "مدمر القذاف" قذفه الله في جهنم. فهذا فرد متألّه مدع مريض، زعم أنه فيلسوف ومفكر وأديب وقصاص ونكش شعره ورفع بصره إلى الأعلى سمة الفلاسفة، وما هو إلاّ دعي فاشل مريض راسب في كل مستويات دراسته، وما زعم أنه كتبه إنما هو كتب كتبت له، ووضع اسمه عليها ليسد نقصه وسخيمته وخسته وفقره في الذكاء والفكر.
شخص مريض مأفون مهلوس مجدف عديم القيم ميت الضمير محدود التفكير ورّط شعبه في مغامراته الجنونية، ودفع الشعب ثمن جنونه وحماقاته عشرات المليارات، سوى ما أنفقه على ملذاته ومتعه وسرقاته هو وأولاده ومحظياته.
من قال إن هذا يظل قرابة 44 سنة يحكم الشعب المجاهد الذي دوّخ الاستعمار الإيطالي؟ في أيّ عصر نحن حتى يحكم هذا المأفون شعباً هو من خيار خير أمة أخرجت للناس؟ هذا المأفون الذي سمى نفسه: ملك ملوك إفريقيا، وعميد الحكام العرب، ومسخرة زعماء العالم، وأراجوز المسرح..
أهذا "الشيزوفرينيك" يحكم ما يوازي ربع قارة أوربا؟ مهزلة والله!
4- ليس زعيم أمة ولا قائد وطن.
ليس القذافي زعيماً ولا قائداً ولا حاكماً، ولكنه رئيس عصابة من المخرّبين والقتلة والسفلة جمعهم حوله، والدليل أنه انتهى نظامه ولكن عصابته ما زالت تقاتل كما تفعل عصابة مع مجموعة من الشرطة يحاصرونها. لقد ربّى فئة من الطفيليات الانتهازية وأشبعهم وأجاع الناس، وأعطاهم ومنع الناس، فوالوه وقت أن انتفض الناس. لقد انتفض المحرومون، واندفع المجرمون في الدفاع عنه وهم النهازون المستفيدون.
هل زعيم أمة وقائد وطن يضم عشيرته إليه ويعطيها ويغدق عليها ويخزّن نصف أسلحة الدولة في مدينتين تسكنهما عشيرته؟
هل هذه صفات قادة وأخلاق زعماء؟ متى تنتهي عقلية العصابة من العالم العربي؟ متى يشعر الزعماء أنهم لكل الشعب؟ متى يحب الزعماءَ كل الشعب؟ ومتى يحب الزعماءُ كل الشعب؟
إنّ الأتباع والأزلام والمرتزقة هم الذين ما زالوا يقاتلون بعد سقوط نظام القذافي لأنهم ربطوا مصيرهم بمصيره، ووجودهم بوجوده، فلا معنى للوجود من غير معبودهم الباطل الفاشل العاطل! فلتخرب البلاد وليقتل العباد إذا زال قائد الأوغاد! أما نداؤه الخالد: فلتزحفوا ملايين ضد المتمردين، فنداء في بيداء، وصرخة في واد ونفخة في رماد، وبانتهاء بقية فلول العصابة ستطهر البلد من وباء وكابوس قد انزاح عن صدر الأمة كلها لا عن صدر ليبيا وشعبها فحسب. فهذا المخرب كان راعي الفتن وممولها في طول العالم العربي وعرضه، فما من فتنة إلاّ مرّت من عند القذافي وتموّلت من مال شعبه! فبانزياحه انزاح جبل جليد جثم فوق الحياة والأحياء وأفسد كل شيء..
5- تجلي السنن.
يأبى الله إلاّ أن يثبت يقين المؤمنين بأدلة محسوسة وبراهين ملموسة، ومشاهدات حية واقعية لا تقبل التأويل أو التلبيس. تتجلى السنن، وتسفر الآيات، وتتحقق الوعود القرآنية الربانية، فيتعزز اليقين ويثبت الله المؤمنين.
وسأكتفي ببعض السنن من بعض السور، ولنقف عند سورة الأنعام فحسب: "ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم" 6، "فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون" 10، وكم سخر القذافي من آيات الله ومن رسول الله فأتاه وعد الله! "قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين"11، "ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون" 21، وتكرر ختام الآية في الآية135، "وإن يهلكون إلاّ أنفسهم وما يشعرون" 26، "ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين" 34، "فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين"54-55، "هل يهلك إلا القوم الظالمون" 47، "وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً" 112.
أوليس القذافي عدو النبي صلى الله عليه وسلم، أوليس كتابه الصادر عن دار الغرور والمزخرف بالأباطيل والأضاليل والمحاط بالتهويل أراد به أن يضاهيء كلام الله؟ "سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون" 124، "وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً بما كانوا يكسبون".
أليست كتائب القذافي ومرتزقته وأزلامه من تولية الله بعض الظالمين بعضاً ليجعل الله الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعاً في جهنم.. إن شاء الله! "ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين" 147.
هذه بعض سنن سورة واحدة، وربما يكون في باقي السور ما يكمل الصورة ويجليها أكثر، لكن نكتفي بهذا، وتستطيع أن تقرأ القرآن بحثاً عن سنن تجلّت في زوال هذا الطاغوت، وانهدام هذا الصنم. والحمد لله الذي أرانا تجلي قوله العظيم: "وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً"، "وقل جاء الحق وما يبديء الباطل وما يعيد."
والحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين. والمحطة التالية عند اليمنيين والسوريين.