للتربية والتعليم معان متلازمة ومتداخلة، والله جعلهما مهمة الأنبياء دلالة على عظم قدرهما ومن يضطلع بهما، وكان من أجر المربّين والمعلمين أنّ الله وملائكته وأهل السموات والأرض حتى النملة في جحرها والحيتان في البحار يصلون عليهم.
ولقد أعلت الحضارة الإسلامية من فضل المربّي والمعلم وكان يطلق عليه اسم "المؤدّب" دلالة أنّ الأدب يسبق العلم، وما من عالم بحقّ إلاّ وقد استكمل عناصر الأدب، وكان الخلفاء يتخيّرون أفضل المؤدّبين لأولادهم ويعطونهم حقّ التصرف في تهيئة أبنائهم لما ينتظرهم من معالي الأمور، وكذلك كان الحال في الغرب فعلية القوم في العصور الوسطى كانوا يعلّمون أولادهم في بيوتهم ويحرصون على ثقافتهم وبالذات الكلاسيكية، لأنّهم كانوا يعتقدون أنّها ترقى بذائقتهم الأدبية والاجتماعية، وكان يطلق على المعلم "mentor" وهي بالإضافة إلى المعنى الأساسي تحمل معاني الناصح والمستشار والمخلص والملهم، وكانوا يحضرون للفتيات مربّيات في المنزل يعرفن ب"governess" والكلمة لها جذرها في "govern" بمعنى الحكم وهذا يؤشر إلى اعتقادهم بأنّ للمعلّم سلطة وأثرا ومصداقية وأنّ كلمته يجب أن تكون مسموعة، وكانوا لا يقبلون تعيين هؤلاء المربيات إلاّ برسائل توصية من المستخدمين من العائلات التي سبق للمربيات العمل عندهم.
واستمرت هذه النظرة التي تعلي من شأن التربية والتعليم وصفات المعلّم ردحا من الزمن حتى عندما انتشر التعليم في المدارس والمعاهد العامة بعد نشوء الدول المدنية، وكان العرب نظريا أكثر حرصا من ناحية المسمى عندما أطلقوا على الوزارة التي تعنى بهذه الشؤون وزارة التربية والتعليم بينما سماها الأجانب "Ministry of Education" على أساس أنّ معنى التعليم "education" يشمل الجوانب المعرفية والسلوكية،
إلاّ أنّ الحال انقلب في العالم كلّه وما عادت مدخلات ومخرجات العملية التربوية والتعليمية يعوّل عليها في البناء والنهضة، فشخصية المعلم تغيّرت، وإن كانوا في الغرب ما زالوا يركّزون على أن يخضع من يريد العمل في سلك التعليم بغضّ النظر عن تخصصه الأكاديمي وتفوّقه فيه إلى دورات تمكّنه من التعليم، وفي بعض الدول الأوروبية يوازي راتب المعلم راتب الطبيب وكأنّ أحمد شوقي أنشد لهم وليس لنا:
قم للمعلم وفه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولا
أعلمت أشرف وأجل من الذي يبني وينشأ أنفسا وعقولا أمّا عندنا فانحطّ قدر المعلم في نفوس الطلبة لمّا انحط قدره في الدولة وعند المسؤولين وأصحاب القرار الذين جعلوا المعلم أشعث أغبر لا يُأبه له، مدفوع بالأبواب، إذا شفع لا يُشفع وإذا خطب لا يُزوّج!!!
وهذه خطة ليست بالبريئة وليست مجرد انعكاس لحالة الفساد وتردّي منظومة القيم في المجتمع، بل هي أخطر من ذلك ففساد المعلّم وحاله يعني فساد الأجيال وفساد الأجيال يعني المزيد من تغوّل السلطة التي لن تجد أحدا بعلم وهمة أو اهتمام ليقف في وجهها، وهناك توجّه عالمي لتنحية المعلم وأصحاب الفكر والرأي عن مراكز التأثير، فالأمم المتحدة تختار لنا الفنانين والمغنيين، الذين تشهد حياتهم في الإعلام عليهم دون الحاجة إلى اتّهام واضح أو مبطّن، ليكونوا سفراءها للتعليم والنوايا الحسنة وقضايا الفقر والغذاء وكأنّهم بدل أن يرتقوا بأفهام البشر وطموحاتهم للتطلّع نحو القدوات والنماذج يرضخون لفهم أنّ الجمهور عاوز كده، فيختارون لهم ما يرون أنّه يوافق أذواقهم ويزيد استجابتهم وتفاعلهم!!
ولا يبدو أنّ الأوضاع في تحسّن فحتى في أمريكا، حيث ما زال المعلم مقدّرا والبحث العلمي في ازدهار، وصلت لعنة الانحطاط والتردّي حيث قام أوباما بتعيين المغنية والراقصة شاكيرا مستشارة للشؤون التربوية!!
سنجده أمرا مستنكرا غير مقبول كيفما نظرنا له فأيّ تربية وتعليم تعرفها شاكيرا لتؤهّلها أن تكون مستشارة في ميدان بهذه الخطورة؟ ومن هو الرئيس الذي يقامر بمستقبل الاحتياط البشري من المواطنين المتعلّمين مقابل زيادة شعبيته؟ وما هو مستقبل تربية ترسم بعض معالمها شاكيرا؟ وهل تسير أمريكا برضاها نحو الهاوية؟ وهل نحن أحسن حالا وطلابنا لا يعرفون عظماء حضارتنا ولا سيرهم وانجازاتهم بينما يحفظون شجرة عائلة وقصص حياة لاعبي كرة القدم والممثلين والمغنيين؟! و بما أننا ندور في دائرة تقليد الغالب والولع به فهل سنسلّم في يوم أسود شاكيرتنا العربية دفة قيادة وتوجيه المستقبل؟! وهل نفهم وصية الحكيم لابنه إذ قال: "يا بني كن بصالح الوزراء (المستشارين) أغنى منك بكثرة عددهم، فإنّ اللؤلوة خفيف محملها كثير ثمنها، وإنّ الحجر فادح حمله قليل نفعه لك".
إنّ هذه الأمور لا تجري اعتباطا ولكنّها من علامات آخر الزمان الذي يصبح فيه الرويبضة الجاهل يفتي في أمور الناس وتُسمع كلمته ويُعمل برأيه، وتطلب الحكمة من أفواه الراقصات!!
اللهم اكفنا شر شاكيرا ومن لف لفها.