هل هي فتنة طائفية أم شيء أبعد من الفتنة؟! وزير الإعلام المصري اختار الثانية وقال إن مصر أمام ما هو أكبر وأبعد من الفتنة الطائفية. وقال إن أصابع خارجية لم يحددها تقف وراء ما يجري في مصر. إحصائيات الحكومة تتحدث عن (22) قتيلا من الشعب ومن الجيش إضافة إلى عشرات الجرحى وإحراق السيارات الخاصة والاعتداء على الممتلكات.
هل تظاهر أقباط شبرا أمام مبنى الإذاعة والتلفزيون في ماسبيرو من أجل بناء كنيسة في أسوان؟! هل بناء الكنيسة في أسوان يستوجب تحرك الأقباط في عدة محافظات معا؟! هل بناء الكنيسة يستوجب الدم المسفوك؟! هل يدرك المتظاهرون حالة الاحتقان في الشارع المصري؟! وهل يدركون حساسية الأوضاع المتوترة بين مجموعات الثورة والمجلس العسكري؟! وهل يدركون ضعف الحالة الأمنية يسبب انهيار منظومة أمن النظام البائد؟! هل يدركون خطر الجماعات المندسة؟!
من المؤكد أن الأغلبية ستقف إلى جانب ما طرحه وزير الإعلام المصري، حين اتهم أصابع خارجية بالعبث في أمن مصر من خلال تحريك الأقباط، وإن المسألة ليست مسألة بناء كنيسة أو إحراق كنيسة، لأن الطرف الإسلامي المتهم عادة ليس موجودًا في المعادلة الحالية، والأمر محصور بين الدولة والأقباط، وهذا وحده كافٍ للقول بأن الأمر أبعد من الفتنة الطائفية؟ وتصريحات هيلاري كلينتون حول حماية الأقباط مؤخرًا تصب في هذا الاتهام!!
ثمة أصابع خفية داخلية وأجنبية تريد لمصر الاستقرار ولا تريد لها أن تستكمل مسيرة التحول الديمقراطي بشكل إيجابي يكشف عورات نظام مبارك واستبداده، ويفضح القوى الأجنبية التي كانت تسانده. وفي هذا المقام نقول ليس غريبًا أن تقع هذه الأحداث الدموية الكبيرة قبل بدء العملية الانتخابية بأسبوع، ليقال إن مصر غير جاهزة، وغير مستقرة لإجراء الانتخابات، وفيها مظنة الصراع والنزاع ورائحة الدم؟!!
مَنْ يقف وراء الأحداث لا يستهدف بناء كنيسة في أسوان وإنما يستهدف هدم الديمقراطية الوليدة، ويستهدف إيقاف عجلة تقدم الثورة إلى الأمام. هو يريد تعطيل مشروع الحياة العامة لمصر الجديدة.
لقد لعب نظام حسني مبارك بورقة الطائفية ليبرر بها استبداده وديكتاتوريته، وقانون الطوارئ، وخنق الديمقراطية، وقد نجح في ذلك على مدى ثلاثين عامًا، وقبيل انهياره كان وزير داخليته حبيب العدلي هو بطل التفجير غير المسئول في كنيسة الإسكندرية.
وأحسب أن من يقف وراء أحداث ماسبيرو إنما هو مقامر بورقة الأقباط، ومستغل للحالة الانفعالية المحتقنة في مصر من أجل توظيفها لأهداف سياسية فاسدة كما وظفها نظام مبارك. مصر الجديدة التي اطلعت على ما خفي من الوثائق يمكنها أن تتجاوز المحنة، شريطة أن تفضح الأصابع الخفية التي تعبث بأمن مصر، وتعرقل تحولاتها للديمقراطية.