الثورة والمسجد

نشر 10 أكتوبر 2011 | 09:49

أول شيء فعله النبي صلى الله عليه وسلم حين دخل المدينة المنورة كان بناء المسجد، وآخر ما فعله كان هدم مسجد. أليس عجيباً أن يهدم النبي مسجداً بيده مدعوماً! "لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه".

 

 

قد تنقلب وظيفة المسجد فيصبح ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين، ووكراً مخابراتياً كما يحدث في بعض الدول العربية، حيث لو سألت رجل الأمن وواعظ السلطة ليحلفان "إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون"!

 

يفرق القرآن في الميزان بين من أراد ببناء المسجد وجه الله تعالى ومن همه التفاخر؛ فلا تستوي عمارة المسجد الحرام وسقاية الحاج كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله فلا يستوون عند الله.

 

نحن شهود في هذه الأيام على عودة الروح للمسجد مجدداً في بعض الدول العربية بعد غياب دام ألف عام، وكنا قد يئسنا من عودة الروح قريباً، لكن الله يفعل ما يشاء. كانت المساجد قبوراً خاويةً، فيها المظاهر والكلام السلطاني المنمق والخطيب المأجور من كل صنف. في صلاة العيد التي نقلت من مدينة حلب، قيل لي: فلان يخطب. أعرف عن الرجل رجاحة عقله، وكونه خريج السوربون، ويمثل التيار التنويري الجديد في حلب حيث يحتشد التصوف الانعزالي مع الفقه الجامد مع أصحاب المصالح من تجار المدينة. خطب الرجل، وكان الأسد الابن حاضراً، لم أصدق ما أسمع. كنا ننعي ونذم غيره من الخطباء، لكنه سبقهم بأشواط، مع أنه قادم من مدينة الأنوار. لكن لو وضعنا مصباحاً بألف شمعة فوق رأس ضرير هل سينقلب بصيراً؟

 

جاء في الإنجيل أنه إذا كان النور الذي فيك ظلاماً فكم يكون الظلام؟

 

على الثورات العربية أن تعيد للمسجد وظيفته بتحويله مجدداً من جامع إلى جامعة. وشخصياً أفكر في حال نجاح الثورة السورية أن أؤسس لمركز ثقافي حول مسجد أحوله مع الوقت إلى أكاديمية للعلم والسلم. على الثورة أيضاً أن تلغي وزارة الأوقاف وأن تتولى أمر المساجد تنسيقيات الثورة ولجان الحارات.

 

علينا أن نعلنها حرباً على الجمود والطقوس الميتة. لقد بدأت أفهم لماذا حارب أتاتورك اللباس القديم والطربوش الأحمر الذي لا يقي من شمس ومطر. كان ينفذ طريقة التغيير اللاواعي؛ فأنت إذا غيرت طربوش الرأس ستُدخِلُ أفكاراً جديدة إلى الرأس. ربما، من يدري؟

 

علينا إعادة ترتيب نظم الخطاب في صلاة الجمعة، وإدخال الديمقراطية إلى المسجد، والانفتاح على غير المسلمين، وأن يتم تداول الخطابة ديمقراطياً بين أكثر من خطيب. يجب أن لا نسمح لخطيب من اتجاه واحد بالاستيلاء على منبر المسلمين، بل أن تتناوب كافة الاتجاهات على المنبر. وعلينا استيعاب أن المنبر ليس موقعاً دينياً صرفاً بل سياسي بالدرجة الأولى، ففيه تصنع الحياة. يلقي الخطيب خطبة قصيرة تتناول أحداث الساعة، لفترة لا تزيد عن عشرين دقيقة، لكن من صميم الوقائع. بعدها يُفتح النقاش لإصلاح المحلة والحارة، من خدمات وتجارة وأمن وبنية تحتية. وفي نهاية النقاش يبدأ المصلون، بتنظيف الحارة وكنس طرقاتها، ومساعدة من يحتاج في بناء وترميم. الكل يحضر عدته والكل يشارك في بناء المجتمع.

 

في داريا من ريف دمشق قام شباب بحركة من هذا النوع في محاربة التدخين، فلبسوا المريول ووضعوا الكمامات وحملوا المكانس وبدؤوا بحملة تنظيف الشوارع. كانت المكافأة أن المخابرات السورية اعتقلتهم وأذاقتهم العذاب المهين. كانت تلك المخابرات صادقة في حدسها العميق، حيث بدأ أهل داريا يكنسون آثار "البعث".