كاللعنة أو الجرب الذي لا ينفع معه العلاج أو حتى العرافة، لا تنفك قضية المتابعة والتفتيش تترصد لبعض المواطنين وتلاحقهم وتلاحق آباءهم وأجدادهم حتى لو كانوا ميتين، بجرم الانتساب لفلسطين أو الولادة فيها، ليس مرة ولا مرتين بل على ما يبدو الى ما لا نهاية!
عندما جددت جواز سفري ذهبت الى المتابعة والتفتيش، بالرغم أني أردنية أحمل الرقم الوطني منذ ولادتي في عمان ولا أعاني كبعض المسؤولين الكبار من ازدواج الجنسية، وليس لدي بطاقة جسور ولا أعرف شكلها ولا ألوانها، الا أن ذلك الكمبيوتر في دائرة الأحوال المدنية لا ينفك في كل معاملة رسمية يظهر بجانب اسمي علامة يجب معها التحقق من شخصيتي وجذوري، مع ما يصاحب ذلك من بهدلة التنقل بين الدوائر ما بين الشرق والغرب لعدم ارتباط دائرة المتابعة والتفتيش الكترونيا بدوائر الأحوال المدنية!!
زيارة واحدة، وهي ليست مقبولة بحد ذاتها، لا تكفي حتى تثبت براءتك، بل يجب أن يُشكك ويُنتقص من مواطنتك في كل مرة مقابل ختم يثبت أن لا وراءك ولا أمامك، ولكن مع كل معاملة يُكسر في نفسك شيء يصعب جبرانه حتى عندما تصبح الوثائق الرسمية بين يديك!!!
لقد تربينا في الأردن أن الأردنيين كلهم فلسطينيون كما كل الفلسطينيين أردنيون، فلا انفصال بين الهويتين والكينونة واحدة، ولا مزاودة بينهما بين أصل وفرع، فالانتساب لفلسطين ليس بالعائلة ولا بالجذور، وإنما بالولاء لقضية الأمة الأولى انتسابا أكده التاريخ مضمخا بدماء الشهداء والتضحية ومعطرا بصلات الدم والنسب، ويؤكده المستقبل الذي يربط بين الأردن أرض الحشد والرباط وبين فلسطين أرض المعركة والنصر، وتؤكده قدسية المكان بامتداد أرض بيت المقدس المباركة المطهرة في الأردن وامتداد بقيتها في الأكناف الحاضنة، وهذه العرى غير منفصمة مهما حاول البعض أن يغطوها بغربال لن يسد عين الشمس، وما فزاعة الوطن البديل الا صنيعة العدو وأحلامه التي لن تتحقق بتفريغ الأرض من أهلها، فالأهل في شرق النهر وغربه فهموا الدرس ودفعوا الثمن ولن يعود زمن التشريد مرة أخرى، وما في الأفق سوى خيارين إما نصر وإما شهادة
وما انتكست قضية فلسطين فوق نكستها ونكبتها الا عندما حصرت في شعب وجنسية وفقدت امتدادها وعمودها الفقري في أمة قوامها مليار ونصف، وأوكل ظاهر أمرها الى شرذمة تقبل بها كانتونات متناثرة لا تملك من أمرها شيئا!!!
كتب الدكتور المؤرخ عبد الكريم غرايبة: "كان الأمير عبد الله بن الحسين المؤسس عندما يخطب في الناس يقول: (يا أهل الشام، يا أيها العرب) ولم يكن يخاطبنا يا أهل الأردن".
ويعلق غرايبة: "وفي هذا دلالة على أن الملك المؤسس كان يسعى الى وحدة الأمة العربية، وأنه أسس الدولة الأردنية لتكون نقطة انطلاقة للوحدة".
فمتى يعود ذلك الزمن؟! ومتى نصبح أردنيين بحق؟!
أما الأمير الحسن بن طلال فقد قطع قول كل خطيب في سخريته من التصنيف بين الأصيل والدخيل حسب الأصول والمنابت، مؤكدا أن اعتماد التصنيف سيعني بالنهاية بأنه شخصيا (دخيل) على الأردن كهاشمي وأضاف: "القادم من فلسطين دخيل ومن الحجاز دخيل" ثم أضاف: "كلنا أتينا من الجزيرة العربية أصلا، وجميعنا من مختلف الأصول في قارب واحد"
هؤلاء هم حكماء الأردن ماضيا وحاضرا، وهم الانعكاس الحقيقي للأردنيين الذين فتحوا القلب والدار، وبسطوا الأرض لكل شعب عربي ومسلم شردته الحرب أو عضه الفقر، وأما العقلية التي تحكم المتابعة والتفتيش فهي العقلية الدخيلة التي آن أن تُنبذ وتُستبدل وتُدان.