خامسا: هناك علاقة تلازمية بين العلم والسلم. كلما ازداد الإنسان نضجا ورشدا وتسلح بالعلم مال إلى حل المشاكل سلميا، والعكس بالعكس.
سادسا: وصل عالم الكبار إلى إدراك هذه الحقيقة مرغما وبمعاناة شديدة وبكلفة مريعة من الضحايا والدماء، ولكنه مازال متخلفا أخلاقيا ويبيع الدول الفقيرة أو الجاهلة السلاحَ مع معرفته الأكيدة بأنه عتاد ميت؛ وهكذا فإن الحرب توقفت، ولكن الوهم مازال قائما ويتمثل في أنه يمكن الاستمرار بحل المشاكل بالحرب كما ظن ميلوسوفيتش وصدام وشارون وبوش أو القذافي والأسد.
سابعا: الحرب تهدف إلى كسر إرادة الخصم، أي إلغاء الآخر، وبالتالي فإن نهاية الحرب هي تحطم إرادة وبقاء إرادة وحيدة تملي القرار في الساحة؛ وهذا خطر على الطرفين، فوسط واقع من هذا النوع يولد كائنان مريضان: مستكبر ومستضعف؛ وهذا يفتح دورة الصراع من جديد.
فهذه سبعة أفكار تأسيسية في المغزى الأخلاقي العميق لفكرة اللاعنف.
دورة العنف ودورة اللاعنف
العنف دورة مجنونة لا تأتي إلا بالعنف، والعنف دورة تزداد اتساعا والتهابا، والعنف لا يحل مشكلة بل يخلق مشاكل؛ فهذه حقائق أساسية في سيكولوجية البشر؛ ومن يتغافل عن سنن الله، فإن قانون الله لا يغفل عنه، وما ربك بظلام للعبيد.
ومن يرى أن القتل أفضل الحلول هو مثل الطبيب الذي يعالج مريضه بالتخلص منه وليس بتخليصه من المرض.
وفي كتاب «البؤساء» تبدأ القصة من سرقة رغيف خبز من أجل إطعام أطفال جياع لتنتهي في السجن لتسع عشرة سنة. هكذا كتب فيكتور هوغو روايته العالمية عن جان فالجان، ويقول طالما كان في العالم بؤس وشقاء وجهل فيجب أن تكتب مثل هذه الروايات. والذي ثبت هو أن السجن لم يخرج مواطنا صالحا بل مجرما عتيا، بسبب مسلسل التمرد والعقوبة التي كان يقودها الشرطي جافير حرصا على تنفيذ القانون.
والذي حرر جان فالجان من الأفكار الشريرة السوداء لم يكن السجن أو القانون بل قس كافأ سرقته بالصفح عنه. وأفضل ما يؤخذ من الإنسان ليس بالإكراه بل بالإيمان، والقس رأى المنظر خارج إطار القانون والعقوبة؛ ومن ينبوع الحب والمغفرة ولد إنسان آخر هو العمدة (مادلين) الذي أحيا مدينة كاملة.
وعلى نفس الغرار، كتب ديستوفسكي روايته «الجريمة والعقاب» ليقول لنا إن راسكولنكوف هو مجرم في داخل صدر كل منا، وإن المجتمع هو الذي يجعل البشر مرضى بالعنف والجريمة. وهذه الروايات تنفع في شرح الأبعاد السيكولوجية لآلية العنف وحدوثه.
يقول سقراط إن كان لي الخيار بين الظالمين والمظلومين فأحب إلي أن أكون من الفريق الثاني. وهذا أمر سيكولوجي له نتائج في تحفيز الوعي واللاوعي على نصرة المظلوم، ونرى هذا جليا عند الشيعة والمسيحيين؛ فأما الشيعة فهم يجلدون أنفسهم في عاشوراء كل عام إحياء لذكرى المقتول ظلما الحسين، ويقبل الناس على رؤية فيلم المسيح فيبكون في فيلم المسيح الجديد بعد مرور ألفي سنة على محاولة صلبه، فأنجاه الله، لأنه يذكر بمصرع الحسين على نحو أشد سلامية.
وهذا القانون نفسيّ، ينطبق على جميع الناس، فيحرك مشاعر التضامن لكل المظلومين الذين قضوا من أجل أفكارهم، فلمع اسمهم بأشد من الشعرة اليمانية في أفق الإنسانية مثل ابن رشد وجيوردانو برونو وجان هوس والسهروردي وقرة عين وجان دارك وابن تيمية وسيد قطب.
وهناك من يخلط الآيات القرآنية، وهي آيات متناثرة مثل نجوم السماء. ولولا الإسقاط العقلي على نجوم الدب القطبي ما عرف الناس الشمال من الجنوب. وآيات القرآن فيها كذلك (كفوا أيديكم) وفيها (اقتلوهم حيث ثقفتموهم) وفيها قصة (نبأ ابني آدم بالحق)، فيجب وضع صورة بانوراما لمعرفة المحيط من الإطار، وقوانين الطوارئ من أحكام السلام.. ويا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة.
ويجب أن نستوعب أن إسرائيل لم تكن لتوجد لولا المرض العربي، وهو أمر لا يعترف به العرب، وأنه لولا انهيار الجهاز المناعي العربي ما انفجر الالتهاب الصهيوني، ولولا وجود المستنقعات ما تكاثر البعوض وانتشرت الأمراض. وفي الوقت الذي يتعافى فيه العرب فلن تزيد إسرائيل على فورموزا الشرق الأوسط؛ ولكن أن تقطع أنف أحدهم بالمقص وبدون تخدير أسهل من استيعاب هذه الحقيقة.
وهذا الأسلوب إنساني وأخلاقي واقتصادي ويمكن التخلص به من ديكتاتوريات الداخل والاحتلال الخارجي، ويمكن به قهر إسرائيل وإخراج أمريكا؛ ولكن الشعوب تتعلم عادة بالعذاب أكثر من الكتابات، فيزاد العذاب جرعة جرعة حتى ترجع أو تموت فتبتلعها قوى أفضل منها.
واليوم تنبه الرأي العام العالمي إلى عنف إسرائيل وظلمها وبدأت أسهمها في التناقص، فيجب الرهان على الرأي العام العالمي وإعلان نبذ العنف، ولكن هذا يحتاج إلى وعي مختلف وأرضية معرفية متباينة.
ويجب أن نعلم بأن ولادة إسرائيل تمت على يد قابلة أوربية، ومن أنجبها كان الهولوكوست Holocaust والحل النهائي Endloesung النازي. ويجب أن يستوعب العرب حقيقة إسرائيل، وأنها امتداد الحضارة الغربية، وأنها ديمقراطية من الداخل وعنصرية من الخارج، وأنهم أشداء على الفلسطينيين رحماء بينهم، وأن الأوربيين أوجدوها لتبقى، وأنهم حلوا الهولوكوست على حساب العرب، وأنهم وضعوا العرب واليهود في قدر تغلي بالاثنين فأرسلوا اليهود إلى هولوكوست جديد، وأن إسرائيل محكوم عليها بالفناء، وأنها ولدت بأخطاء كروموسومية غير قابلة للحياة والاستمرار.
وأمريكا جاءت إلى المنطقة لأنه يجب أن تأتي؛ فالطبيعة تأبى الفراغ. وحيث نبتت الديكتاتوريات ماتت الأمم. ولا تحلق النسور إلا فوق الجيف.
وطرد الأجنبي سهل وبناء نموذج حضاري هو التحدي الأعظم.
أنا متفائل اليوم بولادة الشعب السوري محررا من علاقات القوة وبالأسلوب السلمي. ومع ذلك، علينا ألا نسرف في التفاؤل كثيرا، فالعقل العلمي مفتوح على كل الاحتمالات.
لك مني كل التحية دكتور العمار في نضالك السلمي، وعسى أن نجتمع سوية في أرض حوران بعد غروب شمس البعثية، فنقول الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور.