«إسرائيل» بين ضعف أمريكا وهاجس الطوق السني

نشر 03 أكتوبر 2011 | 08:24

باتت النخب الإسرائيلية تحذر بشكل صريح وواضح من أن الفراغ الذي ستتركه مظاهر الضعف الأمريكي، والتحولات المتلاحقة في العالم العربي ستملأه تحولات جيواستراتيجية ذات تأثير "فتاك" على مصير الدولة العبرية. وقد بات الكثيرون في "إسرائيل" يتحدثون عن إمكانية تشكل تحالف إقليمي مناهض لـ"إسرائيل" ومتمرد على السياسة الأمريكية، تنضم إليه بشكل أساسي الدول التي تتحرر من ربقة الاستبداد.

 

ويستدل من المداولات التي أجراها المجلس الوزاري المصغر الإسرائيلي أن هناك خشية أن تؤدي التطورات في العالم العربي إلى سقوط النظام في كل من الأردن وسوريا، وعندها تحين الفرصة لتشكيل تحالف يضم تونس ويضم ليبيا ومصر والأردن وسوريا وتركيا، وهو ما يطلق عليه رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية السابق عاموس يادلين "كابوس الطوق السني"، الذي سيقلص تشكله هامش المناورة المتاح أمام الدول التي تحاول الحفاظ على العلاقة مع الولايات المتحدة.

 

ويرى يادلين أن أخطر ما ينطوي عليه هذا السيناريو "الكارثي" هو أنه سيكون بإمكان دول هذا المحور الإخلال بموازين القوى القائم حالياً دون أن يكون لدى "إسرائيل" هامش مناورة معقول لدرء هذا الخطر، سيما في كل ما يتعلق بإمكانية نجاح هذه الدول، أو بعضها في تطوير سلاح نووي. ويرى يادلين أنه سيكون من الصعب على "إسرائيل" التشكيك بمسؤولية دول تحكمها أنظمة ديمقراطية، وتجنيد دعم دولي ضدها.

 

وفي المقابل فإن هناك من يرى أن الضعف الأمريكي سيحرم "إسرائيل" من منجزات كبيرة حققتها بفعل مكانة أمريكا. ويقول الباحث في الشؤون الاستراتيجية إيتمار بن تسفي أن الولايات المتحدة التي ضغطت ونجحت في إضفاء شرعية على استثناء "إسرائيل" من التوقيع على ميثاق منع نشر الأسلحة النووية لا يمكنها ضمان بقاء هذا الواقع.

 

ويتوقع نائب وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق إفرايم سنيه أن ينهار المشروع الصهيوني بمجرد نجاح إحدى الدول العربية في تطوير سلاح نووي. ويقول: "لا تحتاج مصر أن تستخدم السلاح النووي ضدنا ولا حتى أن تهدد باستخدامه، فيكفي أن يعلم مواطنونا أن دولة عربية قد طورت سلاحاً نووياً حتى يكون الشغل الشاغل للإسرائيليين الفرار من دولتهم والبحث عن ملجأ آمن في مكان آخر".

فعلى مدى عقود من الزمن تمكنت "إسرائيل" من مراكمة نفوذ وتغلغل في كثير من المناطق في العالم بسبب التحالف مع الولايات المتحدة. وكما يقول مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلي الأسبق شلومو أفنيري فإن كثيراً من الدول كانت تتزلف لـ"إسرائيل" وتعاونت معها؛ لأنها كانت تؤمن أن الطريق إلى قلوب الأمريكيين يمر في تل أبيب، وهو يرى أن تواصل بروز مظاهر الضعف الأمريكي ستسهم فقط في دفع الكثير من الدول لإعادة تقييم علاقاتها بالكيان الصهيوني، وهو ما يعني إحداث مزيد من التراجع على مكانة "إسرائيل" الدولية وتقليص قدرتها على توفير بدائل للتحالفات التي خسرتها.

 

وعلى الرغم من أن هناك اختلافا بين النخب الإسرائيلية حول تقييم الأسباب التي أدت إلى تراجع مكانة الولايات المتحدة وإضعاف دورها العالمي، إلا أن عدداً كبيراً من المعلقين الإسرائيليين يرون أن السياسات التي اتبعتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة أسهمت في إضعاف الدور الأمريكي وتراجع مكانة الولايات المتحدة.

ويتهم وزير التعليم الإسرائيلي الأسبق يوسي ساريد "إسرائيل" بالمسؤولية عن المس بهيبة الولايات المتحدة في المنطقة، عبر تعمد قياداتها تحدي الإدارة الأمريكية والتحرش بها والتدليل للعالم أنه بالإمكان الحصول على دعم لا محدود من أمريكا، وتحديها في نفس الوقت. ويرى ساريد أن "إسرائيل"، سيما في عهد نتنياهو، قد أحرجت الولايات المتحدة، ليس فقط عبر رفض الوفاء بمتطلبات تحقيق تسوية سياسية للصراع، بل أيضاً عبر مواصلة التهويد والاستيطان في ظل تحدي سافر للإدارة الأمريكية، وهو ما أدى في النهاية إلى تعرية الموقف الأمريكي وفضحه في المنطقة، ما أدى إلى عجز واشنطن عن إرغام السلطة الفلسطينية على عدم التوجه للأمم المتحدة وطلب عضوية في الجمعية العامة.

 

وترى الكثير من النخب إن القيادة الإسرائيلية الحالية ارتكبت حماقة كبيرة عندما اندفعت للتأثير على السياسة الأمريكية الداخلية للضغط على الرئيس أوباما لإجباره على التراجع بشكل مهين عن مواقف سبق أن التزم بها أمام القيادات العربية، مثل مطالبته "إسرائيل" بوقف الأنشطة الاستيطانية، لإدراك هذه القيادة حاجة الرئيس إلى دعم المنظمات اليهودية، معتبرة أنه على الرغم من نجاح "إسرائيل" في تقييد أيدي أوباما، إلا إن التداعيات الاستراتيجية للنزال مع أوباما كانت سلبية جداً لـ"إسرائيل" لأنها مست بثقة العرب في رئيس الولايات المتحدة، وبالتالي قلصت من تأثير مواقفه عليهم.

 

قصارى القول، تدلل الشهادات الإسرائيلية آنفة الذكر على أن تحسين قدرة العرب على مواجهة "إسرائيل" وتحقيق منجزات في هذه المواجهة يرتبط بالسعي للحفاظ على السياقات التي تضمن تعميق أزمة أمريكا وإضعاف دورها وتأثيرها والخلاص من وصايتها، وهذا ما تضمنه ثورات التحول الديمقراطي في الوطن العربي، في حال لم يفقد الثوار القدرة على توجيه بوصلة الفعل نحو الاتجاه الصحيح.