حقل.. وحقل التجارب

نشر 03 أكتوبر 2011 | 08:22

 كم ذا في لغتنا من الكنوز والأسرار والمعاني والمختزنات والرّكاز والمكتنزات! وكم في لساننا من المدهشات! وذات صباح وأنا أنقب في اللسان، كما ينقب الأمريكان في باطن أرض العربان عن البترول وغيره من المعادن والكنوز، استوقفتني كلمة "حقل" فلما قرأت ما كتب اللسان انثالت الخواطر على العقل والوجدان. وقبل أن أكتب لكم ما قال اللسان وما قاله غيره من المعجمات في معاني الجذر "حقل"، وما حفل به من تداعيات، دعوني أنقل لكم بعض.. ما قال العلامة "عبد الله العلايلي" في مقدمة لسان العرب (طبعة يوسف خياط، الذي رتّب اللسان على مألوفنا، ونشرته دار لسان العرب، بيروت/لبنان)، قال:

 "الكلمة، وعاء الفِطن، هذه الكلمة التي إنما هي فض ختم، يغريها قصب من بري خاطر بالتدفق، فلا تشح ولا تنضب.. بل تسيل لتصب ذوبها، دون ما حساب، إلا للخضم العظيم، خضم القيم. الكلمة.. أين الفراديس منها، أكرم بها سجنَ الخواطر. أذكر أنني حفظت يوم عهدي بحفظ الأبجدية، أن الكلمة هي هذا اللهب المتنزَّل الأقدس. وأنها لهب ليس يتنزل إلا في نفوس برة.. وإني ما فتئت، مذ وعيتها (الكلمة) وتملكت ناصية القلم، وأدرته، أعمل في جنبها لغة.. وحين أحببت أن أنشر في الناس شيئاً، كان موضوعها أول ما نشرت، وحين رغبْتُ إلى الناس محدّثاً، كان موضوعُها أول ما أذعت، وسيظل موضوعها أول كل ما أعالج.

 

إن أحدنا عاطل من الفكر، إن لم تكن له لغة. وفرْض إنسان بدون لغة، معناه فرض إنسان بدون فكر. فالفكرة، إنما تتكون في رؤوسنا بكلمات، أو بعبارة أدق: بأشباح كلمات ثابتة في جوهر النفس. واللغة، أعجب مبتكرات الكائن العجيب".. الخ.

 

بعد هذه الكلمات عن فضل الكلمة وجمال الكلمة وخلود الكلمة، هاتوا بنا نقلب بعض القواميس والمعجمات.. بحثاً عن كلمة.

وقبل اللسان وما قال دعونا نبدأ بالأقرب في الزمان:

قال في المعجم الوسيط في معنى "حقل": "حَقَل حقلاً: زرع (من الحاقل بمعنى الأكّار) (الأكار يعني المكاري بالعامي والأجير أو الحراث أو المرابعي أو القطروز أو الفلاح..) (عمال وفلاحين وكوتة في مجلس الشعب ودوكة!) حَقِلَت الماشية حَقَلاً: أصابها الحُقال. أحقل الزرع: تشعّب. والأرض: صارت حقلاً. حاقله: باع له الزرع قبل ظهور صلاحه. (وبمعنى): زارعه على نصيب معلوم. احتقل: اتخذ لنفسه حقلاً (كان الفقراء هم الذين يفعلونها والآن البهوات هم الذين يتخذون لأنفسهم حقلاً في منطقة الرمان أو غيرها من ضواحي عمان!) الحاقل: الأكار. والحُقال: داء يأخذ الماشية (أي يصيبها) من البقل أو الماء إذا أصابها التراب. (فالمعنى أيضاً مرتبط بالحقل والتراب وما نتج عن دخول التراب المحمل ربما بالجراثيم أو التراب بذاته، فيصيب الدابة بهذا الداء الذي يسمى الحُقال.) الحقْل: الأرض الفضاء الطيبة يزرع فيها. والحقل: الزرع ما دام أخضر. وحقل البترول: المكان الذي يستنبط منه البترول للاستغلال. (للاستغلال خلي بالك) (وهذا من المجاز) (مجاز طبعاً لأنه الحقل في أرضنا وغلته مش لنا، ألم يقل المجرم كيسنجر: البترول في بلاد العرب خطأ.. علينا أن نصححه!). (ومن المجاز أيضاً): حقل التجارب: المكان الذي تجرى فيه، جمعه حقول. والحقلي: المنسوب إلى الحقل. والمحصولات الحقلية: غلات الأرض من قطن وقمح وشعير ونحوها. والحقلة: الجزء من الحقل. والمحْقَلة: المزرعة جمعها محاقل. وجمع الحُقال: أحقال." أ.هـ.

 

أما غلات الأرض فبعد نظرية أن الله سخر الأمريكان ليزرعوا ونحن نتفرغ للعبادة.. الأرض طبلت ولا احقلت ولا احتفلت.

قلت: المعجم الوسيط وإن كان من آخر المعاجم ونحن معتادون أن الآخر يلتقط من وراء الأوائل، ومع هذا فإنه أوضح وأزيد في المعاني وخاصة في المجاز الذي لا حدود له (وإن نفى بعض أسيادنا وقوع المجاز في القرآن، فالميدان الآن ليس القرآن، ونَفيهم غير صحيح، فلا نشعّب الحديث و "نتوه" عن الموضوع!) نعود إلى "الوسيط" خاصة قوله: "حقول النفط". هذه المنحة الإلهية التي لا نحصي ثناء على من أنعم بها. والنعمة شيء وقدرها واستثمارها شيء آخر. وهدرها بسفه و "لطش وشفط" عائداتها هذا شيء مختلف، والمنعم ينعم على من ينعم ويفترض في المنعّم أو المنعَم عليه أن يحرس ما أنعم المنعم به عليه، وأن يحرص عليه، فإن نُشل فهو مقصر. بترول العرب الذي نضب (أو اقترب) وثمنه هرب وذهب، وما بقي منه فضة ولا ذهب، هذا تقصير من الشعب، الذي غَطَّ في نوم منذ حقب، ولم يفق منه، ولا هبّ، وهذا أوان ذلك قبل أن تستكمل عملية النَهب ممن هبّ ودبّ.. وقبل أن يقال: انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب لا ظليل ولا يغني من اللهب هذه الحقول التي سببت سرقتها من بعضنا وحفرنا من (الباطن) (غير حفر الباطن) لنهب بترول بعضنا في الوقت الذي يأخذه خصمنا أمريكا وبنتها بشبه المجان، يقتتل العربان على حقول النفط (ولا نذكر أنها كانت سبب حرب تقتصر روايتها على وجه واحد. ونكتفي بهذا الإيجاز أو الألغاز!) وحقول النفط قصتنا معها قصة، ففي السودان تنقب شركة "شيفرون" عن النفط في عدة حقول، فلا تجد! وتصب الحقول التي حفرتها وزعمت أنها لم تجد فيها النفط، تصبها بالإسمنت المسلح، فلما جاءت شركات يوغسلافية تنقب في حقول النفط في المنطقة ذاتها، دفعت لها شركة شيفرون تسعة ملايين دولار مقابل أن تتوقف عن التنقيب عن النفط (وتقول مافيش!). وظل النفط غير موجود، حتى جاءت شركة صينية لم تنقب من قبل يعني تعلموا التنقيب في حقولنا، ولكن الصين –إلى حد ما، أو حد بعيد- خارجة عن العباءة الأمريكية التي يلبسها العرب و"يتلبسون" بها.. فاستخرجت النفط الذي هو من أجود أنواع النفط في المنطقة العربية، وتغيرت حياة السودان.. إلى حد ما.

 

والآن من أجل النفط وحقوله وأشياء أخرى يجري سلخ جنوب السودان والمنطقة المتنازع عليها في "أبيي" هي منطقة نفطية، ولعلمكم فإن الجنوب الذي سلخوه بجرة قلم يبلغ قرابة ما بين الربع إلى الثلث من مساحة السودان، فتحول السودان إلى ثاني بلد عربي مساحة بعد أن ظل طيلة حقب التاريخ وهو المساحة الأولى.. فتش عن حقول النفط.. التي ما رعيناها حق رعايتها.. ففقدناها.. حق فقدها!

أما "حقول التجارب" فشعوب العالم الثالث (بالتواطؤ مع مسؤوليها وشركات الغرب) هي فعلاً "حقول تجارب"، كالفئران والأرانب، سواء بسواء.

 

فلقد جربت فينا روسيا الشيوعية تفجيراتها الذرية، فقتل من قتل وتشوه من تشوه (حتى الآن مواليد مشوهة)، وذلك في جمهورية منسية من الجمهوريات الإسلامية (لعلها بشكيرستان) (نسينا لأنّا هرمنا!). ولما لم تكن الأمة جسداً واحداً فإن العدو كان يفتك ويبطش ببلداننا وشعوبنا بلداً بلداً وشعباً شعباً والكل الباقي –ببلاهة- يتفرج وكأن الأمر لا يخصه ولا يعنيه. وشركات الأدوية ألا تتخذ من بنغلادش والباكستان والشعوب البائسة المسكينة حقول تجارب؟ ولسنا نحن الذين نقول هذا إنما وثائقيات الغرب نفسه هي تقول هذا. وحبوب منع الحمل أو تحديد النسل التي تسبب العمى، وأمراضاً مختلفة، فحدّث عنها ولا حرج.

 

أوليست منطقتنا حقل تجارب لفلسفاتهم ونظرياتهم ومذاهبهم من الديموقراطية (المزيفة بالطبع أما النسخة الأصلية فلا تصل إلينا طبعتها –طبعاً- أبداً.. أبداً.) إلى الليبرالية، إلى الوجودية إلى العلمانية، إلى دكتاتورية البروليتاريا (الديمقراطية على الطريقة الشرقية الشيوعية!)، إلى نظريات النقد (مش الفلوس)، بما فيها نظريات نقد كتابهم المقدس المزيف المتناقض مع العلم والعقل والفطرة والكون والواقع والمصلحة.

 

فكيف نطبق نظريات النقد (من الهيرمينوطيقا وغيرها) (وهي صحيحة بحق كتابهم لأنه في مجمله باطل) كيف ننقلها بحذافيرها ونطبقها على الكتاب الذي هو الحق المطلق ومطلق الحق؟ إنه العمى والعمه والسفه والقردية! أولسنا سوقاً للبضائع الرديئة والمطاعم "الجنك" والضنك، وسوقاً للفكر والتقاليد والاقتصاد والسياسة والأحلاف والمحاور والأزياء وغيره.

 

وحتى أحقد الشعوب وأحقر الشعوب فإنه يطبق نظرياته السياسية والنفسية والاستعمارية والاجتماعية والتفكيكية على الشعب الفلسطيني. فالأسرى "حقل تجارب". تُنتَزع منهم الأعضاء، ويحقنون بمختلف الأدواء، وتطبق عليهم النظريات النفسية في التعذيب وتحطيم المعنويات، والابتزاز. ودراسات علم السكان والاجتماع يتخذ أو تتخذ من الشعب حقل تجارب في هذه النظريات. فمثلاً نظرية الضغط لتوليد الانهيار تطبق في حصار غزة، وفي قصف بيوتها وفي الضغط على شعب الضفة بالأسعار، والأسوار، والآسار، والعملاء والمستعربين والمستغربين، والحواجز التي نيفت في عديد من الأوقات على ستمئة حاجز في منطقة صغيرة محصورة. أوليست الضفة حقل تجارب لنوع جديد من الاستعمار؟ السلطة توهم أنها دولة مستقلة فتتولى السلطة إدارة البلديات (وجمع الزبالة أو الأزبال!) وتدفع هي رواتب الموظفين والخدمات وسائر النفقات ديوناً تتراكم وتتراكب إلى عنان السماء، ولا سيادة لها، ويصر المجرمون على أن حدود إسرائيل هي الماء، ولا تنازل عن المخزون المائي الذي أودع في الضفة لشعبها، فجاء السور فالتهم كل شيء، وبدل أن تطارد الشرطة اليهودية شباب الانتفاضة فالبركة في الشباب الذين في الأجهزة المفبركة، هي تطاردهم بأوحش من العدو الصهيوني..

 

والسلطة رغم انكشاف اللعبة منذ عرفات لا تفك نفسها ولا تقيل ولا تستقيل. لقد نجحت التجربة، وغدت مهمة المفاوضات إعطاء الوقت الكافي للعدو لتجربة مزيد من النظريات الاستعمارية وهضم مزيد من الأرض والشعب.. والاستفادة مزيداً من "حقل التجارب" المتاح!

أليس الشعب الفلسطيني على هذا، لهؤلاء المجرمين أحسن "حقل تجارب" لأرخص استعمار في الدنيا بل لنوع من الاستعمار المربح المريح، ففي الوقت الذي تستورد فيه دولة البغي غاز مصر (زمن مبارك بسعر تفضيلي بربع السعر العالمي) وتبيعه للشعب العربي الفلسطيني بعشرة أضعاف، فأصبح استعمار الشعب الفلسطيني استعماراً مربحاً لأول مرة في التاريخ. أليست هذه عبقرية شعب الشياطين المفسدين في الأرض، وتعاون المتعاونين وتهاون المتهاونين وخيانة الخائنين؟؟ لقد أمّن الاحتلال "حقل تجارب" مجاني للمجرمين! ولنا مع هذا الموضوع عود إن شاء الله.