حتى لا يكون المقال الأخير

نشر 02 أكتوبر 2011 | 10:52

 لما يقارب السنة كان معالي عبد الرحيم ملحس قلما مستنيرا حرا يزين صفحات جريدة السبيل اليومية في بداية صدورها ويكتب في زاوية بعنوان (كلمة حق) كلمات قليلة ولكنها أنكى من السنان في جسد الطغيان، تستفز الدبابير في أعشاشها دون أن تخاف من وخزها.

كان ملحس من أوائل من سلط الضوء على فضائح الفساد في قضية الغذاء والدواء عندما أخبرنا أننا نأكل ونتداوى بنفايات العالم، في وقت كان الشعب فيه ينام في العسل ويرى الحياة بلون “بمبي”!

ولكن منذ ما يقارب عامين في 3-10-2009 قرر ملحس أن طريق الإصلاح مسدود مسدود مسدود، وأن الفساد مستشر لدرجة لا ينفع معها الكلام ولا التنبيه ولا يصلح معه الا البتر أو اعتزال القوم، فكتب مقالا في زاويته بعنوان “المقال الأخير” قال فيه: “لاحظت انني أراقب ما اكتب للصحف وكأنني جهة امنية... او كانني رئيس تحرير صحيفة حكومية... كل ذلك حتى اجعل مقالي قابلا للنشر، كما لاحظت ان كثرة الخطوط الحمراء التي تعترض الطريق بين الفكر والقلم تخرج المقال مشوها يتعب القارئ الذي يفتش على المعاني المقصودة لا عند السطور لكن بينها؛ اشعر انني مخنوق بحبل الخطوط الحمراء وفي حلقي غصة... كل ما يستحق الكتابة عنه خط احمر... اذن لا جدوى من الكتابة؛ انه المقال الاخير”.

فهم ملحس السياسي المحنك الدرس مبكرا، وفهم أن شعار الانتخابات الذي رفعه وفاز به عام 2003 “مع الحقيقة مهما كان الثمن” سيكلف باهظا كل من يريد أن يدافع عن الوطن بقلمه وصوته، فأصحاب العقليات العرفيه لن يبقوا في مواقعهم ولن يسمنوا على حساب الشعب الجوعان الا إذا بقيت الحقيقة ذات وجه واحد تقدمها تلفزيوناتهم وجرائدهم وإذاعاتهم لتخدير الشعب على أمل أن يصحو على مستقبل أفضل! مستقبل لم يصلنا منذ سنوات مذ أصبحت التنمية وعودا وخططا خمسية وعشرية على الورق، ولجانا تفقس لجانا، ومسودات تفرخ مثيلاتها، وسياسات تستنسخ سابقاتها، والمناصب تتوارث كابرا عن كابر من الأب الى ابنه ومن الجد الى حفيده!

قد يكون خيارا للصحفيين والإعلاميين أن يلجؤوا الى اعتزال المهنة والتقاعد بالإكراه، ويحولوا مؤسساتهم الى دكاكين أو مطاعم، والمطاعم في بلدنا من أفضل المشاريع، فالشعب يأكل كل شيء حتى الهواء، وفي الوقت الذي يقف فيه الإعلام الملتزم النزيه مع الحقيقة من أجل الشعب ويدفع الثمن يعود الشعب ليفرز مجالس تشريعية ونوابا يفرضون عن سابق إصرار وترصد حالة من الخرس والبكم الإجباري بالتخويف والعقوبة على كل من تسول له نفسه أن يفتح فمه ليقول كلمة حق عند سلطان جائر، فالفم في بلادنا له وظيفتان فقط يفتح عندهما: الأكل وفحص الأسنان! وعندما تقع الفأس في الرأس لن ينفع الإعلاميون عقلهم إذا جُنّ قومهم! “مع الحقيقة مهما كان الثمن” ونعلم أن الثمن غال، فالألوف المؤلفة لا يملكها في بلدنا الا المفسدون وأصحاب الأعطيات والبدلات والإعفاءات ومجالس الإدارات، الثمن غال، ونحن منتوفو الريش قبله وبعده، ولكن الوطن أغلى وحبه يجعلنا نتمسك ببقية شجاعة، عسى أن لا تلقي بنا الى المهالك، ولن يكون هذا، بإذن الله، المقال الأخير.