بتول أحمد عطون وخازوق أيلول

نشر 28 سبتمبر 2011 | 02:46

كما كثير من مواثيق واتفاقيات الأمم المتحدة التي لا تعدو كونها حبرا على ورق، وبالذات عندما يصل تطبيقها الى العرب، كذلك اتفاقية حقوق الطفل ليست أكثر قدسية ولا أحسن حظا في التطبيق، خصوصا في الدول التي تعاني من ويلات الحروب والاحتلال، فكيف إذا كانت دولة الاحتلال صنيعة الأمم المتحدة أوجدتها ورعتها وما زالت تحافظ على استمراريتها وتغض النظر عن مخالفاتها؟!

تقرأ الاتفاقية الأممية التي تؤكد حقوق الطفل في حالة السلم وأكثر منها في حالة الحرب، فتجد بالنص أن "الطفل كي تترعرع شخصيته ترعرعا كاملا ومتناسقا ينبغي أن ينشأ في بيئة عائلية في جو من السعادة والتفاهم، وأن للطفل الحق في عدم الانفصال عن والديه كرها" وغيرها من الحقوق الانسانية والوجدانية التي تحرص على توفير البيئة المناسبة لنمو الطفل بأفضل صورة!

 

غير أن بتول أحمد عطون الطفلة المقدسية التي لم تتجاوز عامين لا تعرف شيئا عن اتفاقية الطفل ولا عن حقوق الأطفال ولا حتى حقوق الانسان التي لن تُطبق على مثلها، ففي الوقت الذي بدأت تعي فيه الدنيا من حولها أبعد أبوها النائب المقدسي أحمد عطون قسرا وعدوانا، بالرغم أنه يمثل الشرعية الفلسطينية وانتخب انتخابا ديمقراطيا، فاعتصم هو وزملاؤه من نواب المجلس التشريعي في مقر الصليب الأحمر أكثر من سنة ونصف السنة دون أن تتحرك السلطة الفلسطينية بجدية للدفاع عنهم محليا ودوليا.

 

 بتول أحمد عطون التي يرق قلب كل من يراها بدأت طفولتها في مقر الصليب الأحمر كاللاجئين أو المرضى وأصحاب الحاجات، حيث لا ألعاب ولا ألوان ولا دفء، ولكن حضن أبيها كان هناك فكانت لا بد أن تأتيه بالرغم من كل الظروف.

 

بتول هي حكاية آلاف الأطفال الفلسطينيين الذين حرمهم الاحتلال من أن ينشؤوا نشأة طبيعية ضمنتها لهم الشرائع السماوية والدساتير البشرية الوضعية في أحضان أم وأب غيبهم الإبعاد أو السجن أو الشهادة.

 

 في مقر الصليب الأحمر، كان الأب المبعد والسياسي مع وقف التنفيذ يحاول أن يمارس شيئا من الأبوة لهذه الصغيرة الجميلة الوادعة التي جاءت في زمن لا يرحم الأطفال!! في الصليب الأحمر كبرت وضحكت ولعبت وقابلت أفواج المناصرين وتوجها محبوها بالأميرة بتول، في مقر الصليب الأحمر مشت أول خطواتها، ولكن الأب لا يستطيع أن يجاريها لو أسرعت فخطوة خارج المقر وخيمة الاعتصام تعني الاعتقال والإبعاد!

 

في عيون بتول كنا نرى شيئا من أمل البقاء وأمل التحرير وأمل الرفض أن تستمر حياة الخيمة، كانت بتول وأبوها وزملاؤه يمارسون فعلا لا قولا عرمرميا ما أنشده محمود درويش:

واقفون هنا

قاعدون هنا

دائمون هنا

خالدون هنا

ولنا هدف واحد أن نكون

 وسنكون

 فهؤلاء أناس تحملوا مع أهل القدس الضيق والتضييق والتهجير والسجن والبعد عن أهاليهم ومنازلهم، حتى يمارسوا حق البقاء والوجود حتى آخر لحظة. اللحظة التي اختُطف فيها النائب أحمد عطون ومن قبله النائب محمد أبو طير، وسيق الى سجون العدو الصهيوني لينفذ في حقه قرار الإبعاد القسري عن مدينة القدس في خطوات مستمرة لتفريغ المدينة من أهلها استكمالا لمخططات تهويدها بالكامل.

إذا لم تنفعنا الخطب الملتهبة من على منصة الأمم المتحدة في مجرد حفظ حق طفلة فلسطينية في أبيها، فهل ستنفعنا في إقامة دولة منقوصة ومحدودة السيادة، وأين القدس وأهلها في حسابات استحقاق أيلول؟ وهل هناك معنى لدولة فلسطينية بدون القدس؟

 

 في جوقة المصفقين لم يسمع أبو مازن بتول أحمد عطون، كما لم يسمع بكل مآسي أطفال فلسطين؛ فما محمد الدرة وإيمان حجو وأحمد زايد وفارس بني عودة وغيرهم الا بتول أحمد عطون في مأساة تتكرر وتزداد ألما واتساعا

 من فرط في القدس مدينة المدائن وزهرتها وبوابة السماء.

 

لن يتحرك لدمعة طفلة ولا لصرخة أم ولا لاستغاثة زوجة ولا لبيت يهدم ولا لأرض تُجرف ولا لمسجد يُدنس، ولكن الزمن لم يعد زمن المهرولين ولا المفرطين؛ إنه زمن بتول وأجيال الثورة التحرير، والشعب الذي كتب أبجديات الثورة وعلم العالم الانتفاضة لم ينسها أو يحد عن طريقها

 

 إنه زمن بتول أحمد عطون.. وأصحاب الاستحقاق عابرون بين كلمات عابرة.