ثقافة "التنبلة"

نشر 24 سبتمبر 2011 | 09:02

تحية لكل وزارات التربية و التعليم العربية التي لم تعطل المدارس في رمضان، و بدأت العام الدراسي في وقته دون الاكتراث بالحجج الواهية بضرورة تعطيل الدراسة حتى يتمكنوا من الصيام في التوقيت الصيفي الطويل الساعات القائظ الحرارة، فالصيام أول ما يعلم الإنسان الصبر و الاحتساب، والاحتساب لا يكون إلا على المشقة، و لذا جُعل جزاؤه غفران ما تقدم من الذنوب، والناظر في مقاصد تشريع الصيام يرى أنها كلها تهدف لتقويم خلق الإنسان و تربيته على شيء من الخشونة وشظف العيش. والصحابة رضوان الله عليهم يصومون في نفس المناخ الحار، و ما رُوي عنهم أنهم كانوا يقضون الوقت في البيوت نياماً حتى يضيع النهار هرباً من الحر، بل وُصفوا أنهم كانوا يمضون الليل رهبانا متعبدين.. حتى كانت نساء الرسول يربطن أنفسهن بسواري المسجد اجتهادا في العبادة حتى خفف الرسول عنهن، ثم يقومون صباحاً فرسانا في العمل و الجهاد، و قد شهد رمضان أعظم انتصارات المسلمين في بدر، نصر لم يكن الله ليجريه على يد أناس يتذرعون بالصيام كحجة للوهن و الكسل و ضيق الصدر، بل إن وصية أبو ذر الغفاري ركزت على معنى الصيام و ثواب مشقته فقال"صم يوما شديد الحر ليوم النشور"، و كأنه ينصح بالاستعداد لهول الحشر وقرب الشمس والغرق بالعرق بالتخفف من الذنوب في الدنيا بالصيام، لعل الصائمين يكونون في ظل عرش الرحمن و باب الريان، و قد سبقت لهم الحسنى من الله، فسبّقوا و سابقوا بالحسنات في الدنيا حتى يأمنوا حر السيئات في الآخرة، و رحم الله من قال: خذوا من حمية الطاعات لتُخم المعاصي.


وكانت ثقافة الصيام - فرضاً و نفلاً - مختلفة تماماً في عصور نهضة الإسلام عما هي عليه الآن، فكان الصالحون يحرصون على ما صعُب و طال و حرَّ، و كان دأبهم التنافس في النفائس، و يروي الدكتور خالد أبو شادي في كتابه "ليلى بين الجنة و النار" أن إحدى الصالحات كانت تتحين أشد الأيام حراً فتصومه، فلما راجعها الناس في ذلك شفقة عليها قالت :" إن السعر إذا رخُص اشتراه كل أحد"، أي أنها لا تؤثر إلا العمل الذي لا يقدر عليه سوى القليل من الناس لشدته تبغي بذلك درجة أعلى في الجنة، فالجنة كما يقول العلماء لا تُدرك إلا بامتطاء صهوة المشقات و عناق الكريهات.
 

 

 

 

 

 

إن حرصنا على الأطفال و الطلاب يجب أن يكون بتعليمهم الدين على أصوله و تجميله وتحبيبه لكل حسب سنه و عقله، بصورته الحقيقية لا مسخه، وتعطيل مقاصده فالعبادة خير كلها كما يعرفها الدكتور النابلسي في موسوعته فهي "طاعة طوعية ممزوجة بمحبة قلبية أساسها معرفة يقينية تفضي لسعادة أبدية"، و الصغار يكبرون على ما شبوا عليه، و لو ربيناهم أن رمضان مدرسة بكل ما يقتضيه من جهد ممزوج بالمشقة، و لكن ثوابه فرحتان معجلة و مؤجلة تنسيان الهم و الحزن لما عرفوا غير هذه المعاني و صدق الشاعر إذ قال:
و ينشأ ناشئ الفتيان فينا **على ما كان رباه أبوه
أما تدري ابانا كل فرع ** يجاري بالخطى من أدبوه


ثم إن الدول العربية في معظمها تعاني من مشاكل جمة في نظامها التعليمي، ومن سلق المناهج و التسريع، ومن إتباع أساليب التلقين وعدم وجود فرصة للتطبيق و النشاطات الإبداعية بسبب كثرة العطل الدينية والرسمية والوطنية، فهل الحل في زيادة الطين بلة بالتعطيل شهراً كاملاً في رمضان إذا لم يتوافق أصلا مع العطلة؟!

إن حجج التفرغ للعبادة في رمضان لم تكن مقبولة لدى سيد المعلمين صلى الله عليه و سلم الذي علم بما علمه الله، أن البشر قد يتطرفون في جانب دون آخر، فجعل فضل العالم على العابد كفضله على أدنى البشر، و قال "من مات و ميراثه الأقلام و المحابر دخل الجنة"، و من أدرك هذا الفضل بقدر حرصه على الصلاة و الصيام و فرائض الإسلام هو من أدرك المعنى الحقيقي للعبادة التكاملية


لسنا بحاجة لمزيد من "التنبلة" بالدعوة إلى الراحة و العطل، إننا بحاجة إلى مبادرات وأفكار لإخراج الجيل الناشىء من غفلته في رمضان و غيره عله يتبوأ مكانه في صناعة النهضة ويحقق قول الرسول صلى الله عليه وسلم : "نُصرت بالشباب".