الأمم المتحدة بمنظماتها ومؤسساتها وبالذات مجلس الأمن اختراع من الدول المنتصرة في الحرب العالمية تنظم من خلالها مصالحها الاستعمارية في العام، لذا أنت لا تجد للدول الضعيفة حقوقًا مماثلة للدول الاستعمارية الكبيرة. ولما كانت الدول العربية مجتمعة ومنفردة بما فيها فلسطين جزءًا من الدول الضعيفة والمنهزمة، فإنها لن تتمكن من تحقيق مصالحها واستقلالها الحقيقي من خلال استجداء الأمم المتحدة ومنظماتها.
فلسطين هي النموذج الحارق في أروقة الأمم المتحدة. لقد نشأت دولة (إسرائيل) التي تسميها كيانًا صهيونيًا بقرار من الأمم المتحدة على نصف مساحة فلسطين تحت الانتداب بحسب قرار التقسيم رقم 181 الذي أعطى للدولة الفلسطينية 44% من مساحة فلسطين، وجعل القدس منطقة تحت الوصاية الدولية. وقد رفضت فلسطين والدول العربية قرار التقسيم وتمكنت (إسرائيل) من السيطرة على كامل تراب فلسطين في عامي 1948 و1967م ولم تحفل بقرار التقسيم الذي اتخذته مجرد مطية لها وأعلنت ضم مدينة القدس ولم تحفل بالمنظمات الدولة ولا بالدول العربية.
لقد كتب الله لنا أن نعيش في فترة رئاسة السيد محمود عباس الذي فاوض الإسرائيليين على 18% من أرض فلسطين لتكون دولة منزوعة السلاح وتابعة ومنفذة لشروط (إسرائيل) وشروط واشنطن وشروط الرباعية، ومع ذلك انتهى إلى فشل ما بعده فشل؛ لأنه حرق السفن الفلسطينية واستغاث بأنظمة لئيمة تعهدت علناً بحماية الاحتلال ومصالحه.
بعد أن أفشلنا كلينتون، ثم جورج بوش، ثم أوباما ثم بلير وعلّقوا المفاوض الفلسطيني بوهم الوساطة، والرعاية، والعدالة، والدولة، وذهبنا في سبتمبر 2011 إلى الأمم المتحدة نستغيث ونطلب قرارًا هو أدنى من قرار التقسيم، بل ويلغيه ويسقطه حتى عن رفوف الأمم المتحدة على قاعدة الناسخ والمنسوخ، هذا إذا نجح عباس في مساعيه.
لا توجد قيادة أمة، أو شعب، تنازلت عن حقوقه الوطنية والقومية باسم (السلام-والأمم المتحدة) مثل القيادة الفلسطينية بعد اتفاقية أوسلو التي فاجأت القيادة الإسرائيلية بحجم التنازلات غير المتوقعة. اليوم رئاسة السلطة تضخم من قرار العضوية في الأمم المتحدة بدون مبرر ودون مراجعة لقرار التقسيم أو لمسلسل التنازلات وهي تعلم أن (إسرائيل) ستحصد فوائد عديدة من وراء هذا القرار رغم رفضها لآلية الأمم المتحدة للتدخل في حل الصراع مع الفلسطينيين.
لا أحسب أن قرار سبتمبر الذي مازال خاضعًا للمساومة حتى آخر لحظة سيساعد على توحيد الصف الفلسطيني؛ لأن فيه من السلبيات المؤكدة في نظر القلقين من هذه الخطوة مالا يمكن مغفرته أو القبول به. الأمم المتحدة هي دائمًا في خدمة الأقوياء، وهي غير مرشحة لخدمة الضعفاء، ويجدر بالفلسطينيين البحث عن عناصر القوة عنده لا البحث عن الأمم المتحدة؛ و لا التعاطي المجاني مع قاعدة الناسخ والمنسوخ.